أطفال الشوارع.. الاغتصاب.. ومحو ندوب الذاكرة

This is a girl trying her hardest to appear like a boy to stay safer on the street…this article was originally posted in Al Shorouk Newspaper here

girls

أهدي هذا التدوينة إلى الدكتور هاني حمام، شاكرة له أن اراني الجانب الأفضل من الحياة، وتقديرًا لمعاملته لإحدى “فتياتي” من بنات الشوارع، بأمانة ورقة

خلال الساعات الثلاث التى تستغرقها المسافة حتى وصولنا، تخبرنى تغريد عن المرات التى كانت تنظر فيها إلى المرآة، وتتذكر كيفية حدوث هذه الندبة. وبدلا من أن تنفق وقتا طويلا فى الحديث عن هذه الكيفية، تحكى لى بحماس كيف تعامل معها الطبيب بلطف. وكان الدكتور هانى كتب على تويتر يبلغنى انه يريد مساعدة الفتيات اللاتى يعانين من ندبات الاغتصاب، وعرض إجراء هذه العمليات مجانا. ولم أكن فى مصر فى ذلك الوقت؛ وعدت لأجد تغريدا أجرت الجراحة وهى ذاهبة اليوم لفك الغرز. وحكت لى عن نظافة العيادة، وأن الدكتور كان يعاملها كما لو كانت «السيدة تغريد» وعندما سألها عن اسمها، أجابت «اسمى الحقيقى أم اسم الشهرة»؟ وعندما سألها عن اسمها الحقيقى مازحته قائلة «أبو لهب» وضحكت.

•••

وقد لا يبدو الأمر لافتا لك عزيزى القارئ أن يعامل الطبيب تغريدا باللطف والاحترام. فإذا كان كذلك، دعنى أوضح: أثناء الرحلة، كانت تروى تجربة ولادة طفلها على سبيل المقارنة؛ وتحكى أنها بمجرد دخولها إلى العيادة وهى تتألم، سألوها عن زوجها، وعن الندبة التى على وجهها، ومن الذى سيضمنها. ونظرا لأنه لم يكن معها رجل، استخدمها الأطباء من أجل تعليم صغار الأطباء من دون موافقتها؛ وبمجرد أن فحصها الطبيب، امتدت 20 يدا داخلها. وكانت تروى لى هذه القصة وهى تهز رأسها مع ابتسامة خفيفة، وتقول إنها واثقة من أنه إذا كان الدكتور هانى شاهد كيف تعاملوا معها، لكانوا جميعا فى مشكلة! وحكت لى تغريد أثناء رحلتنا قصصا أخرى، وقالت لى إنها لا ترغب فى تناول الطعام حتى تعود لينا. وتحدثت عن المرة التى أخذت أم لينا ابنتها لمدة أسبوعين، ثم أعادتها إلى الملجأ عارية تعانى من الجديرى المائى، وفى رأسها قمل أكثر من كل القمل الذى شاهدته طوال حياتها. ولاشك أنه من المؤثر أن تستمع إلى تغريد وهى تتحدث بتلك الطريقة. ودهشت لأننى كنت مخطئة عندما شاهدتها للمرة الأولى؛ فقد حكمت عليها بأنها قاسية. ومن المؤلم أن ترى حنوها وهى تحتضن طفلها، وتتحدث بهذا القلق والإحساس بالعجز، عن طفل لأم أخرى. وكانت تقفز من موضوع لآخر: من قصص تعرضها للضرب على أيدى أهلها، إلى تقييدها وضربها فى مؤسسات الأحداث، إلى الحرية فى الشوارع، والأصدقاء الذين نامت معهم بجوار السكك الحديدية، إلى الإخصائيين الاجتماعيين الذين أخذوها إلى مطعم كنتاكى. أما القصتان اللتان تعود إليهما دائما، فعن أصدقائها الذين لا تستطيع العثور عليهم، وعن قلقها من اليوم الذى لاتستطيع فيه الإنفاق على تعليم ابنها!

•••

كانت تغريد تتوقف عن الحديث أثناء مرور السيارة عبر مدينة السادس من أكتوبر، لتشير إلى المبانى وتتساءل، كيف يتسنى أن يكون هناك العديد من المبانى الخالية، بينما ينام العديد من الناس فى الشوارع. وتقول إنها لم تكن تفكر فى أول رحلة لها إلى هنا، إلا فى العيش فى إحدى تلك الغرف مع ابنها. وكانت تفكر فى أنها تود لو تزرع التفاح، مثل التفاحات الست التى سرقتها ذات يوم من أجل أصدقائها، الذين لم يكونوا قد تناولوا الطعام لثلاثة أيام، وعندما حصلوا على بعض المال، عادوا ليدفعوا الثمن إلى بائع الفاكهة (الذى رفض تناول النقود، وأعطاهم ست تفاحات أخرى لقاء أمانتهم). وقبلت طفلها قائلة له إنه سوف يتعلم، ويكسب مائتى أو ثلاثمائة جنيه شهريا، ولن يجوع أبدا.

ونصل إلى مستشفى الجراحة، لتقودنا تغريد. ونصعد الطوابق الثلاث، وهى تحمل طفلها بيد وفى اليد الأخرى هدية للطبيب شمعة مما تنتجه الفتيات فى ورشتهن تم لفها بشكل خاص من أجل هذه المناسبة. وقوبلنا بحفاوة فى المستشفى كما لو كنا أصدقاء قدامى، وقدمت تغريد هديتها بفخر. وأحسست بدهشة فى حضور الرجل الذى التقيناه فى الداخل مع تواضعه الذى لا يمكن وصفه.

•••

ودخلت إلى حجرة العمليات، معتقدة أننى يمكن أن أقدم لها دعما. ولكن مرة أخرى، أدهشتنى بمرونتها وقوتها. فلم تجفل مرة واحدة، عندما كان يتم إزالة الغرز، على الرغم من الدم الذى كان ينز من الجرح، والدموع التى تجمعت فى ركنى عينيها. حاولت أن أمسك بيدها، لكنها سحبتها لأنها كانت تعد الغرز. كان التغيير مذهلا فى وجهها؛ فقطعة اللحم التى كانت تتدلى سابقا، تذكرها دائما بصدمتها، وضعفها، وقوتها، وتاريخها، لم تعد موجودة. وعلى الرغم من الصدمة النفسية التى تمثل ندوبا أعمق، لا ترى بالعين والمسئولية فى صورة ابنها، لم يعد التذكير اليومى بالنظر فى المرآه قائما. تركنا العيادة بعبء أخف، وتذكير أقل بحياة ملآى بالتحدى، والعنف والمعارك.

وبينما ندلف إلى السيارة، التفتت تغريد، وطلبت منى أن أحضر الكاميرا معى إلى الملجأ غدا، لأنها الآن لم تعد تخجل من التقاط صور لها مع ابنها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s