قتل «عمر» برصاص اخترق القلب.. وهل لأطفال الشوارع قلوب مثلنا؟

484758_10152843149550231_671424420_n

This post was originally posted in Al Masry Al Youm and has been beautifully translated by my dedicate friend Mohammed Esmat Farag

يعرف كثير جدا من الأطفال الذين في الشوارع تماما ماذا تريد أن تسمع منهم. فهم يتفحصونك، ويقيمون شخصيتك، وفي دقائق يكونون قد جهزوا لك القصة التي من أجلها أتيت إليهم. إنهم يجب أن يكونوا بهذا الذكاء، لأن هذا ما يعتمد عليه بقاؤهم.

أتذكر حديثي مع إحدى الصحفيات التي ذكرت لي دهشتها من الطفلة التي أخبرتها بأنها انضمت للاحتجاجات في يناير 2011بسبب اهتمامها بالبلاد، ولأنها أرادت أن تحدث تغييرا سياسيا واجتماعيا – أعرف جيدا هذه الطفلة التي كانت تتحدث عنها – ولكن الطفلة لم تتمكن من الحديث حول «التغيير السياسي» الذي ذكرته، لأنها ببساطة لم تكن تعرف ماذا تعني هذه الكلمة.

لقد عملت على أن أتعرف على البنات على مدار شهور طويلة، لا من خلال زيارات أو مقابلات «النصف ساعة» الرسمية، لكنني عملت على التعرف عليهن بحق، بتصفيقي لهن عندما كن يرقصن، بتعاطفي معهن حينما كن يتحدثن في جلسات العلاج الجماعي، بضحكي معهن لسماع قصصهن عن الشارع، بتنظيفي لجروحهن بعد أن يؤذين أنفسهن لأي سبب. ولأني عشت هذه القصص شعرت بأنني يمكنني أن أسأل «تغريد»، إحدى البنات اللاتي في الشارع، عن السبب الحقيقي لوجود هؤلاء الأطفال هناك في الميادين.

وعلى هذا بدأنا نلعب أدوارنا في المقابلة: «تغريد» تمسك في فرحة بمسجل صوت إم-بي-ثري بيد واحدة وتتفحصه، وهي تشعر بالدهشة أنها في خلال لحظة واحدة سيكون بوسعها أن تسمع أفكارها (طلبت مني أن أشتري لها مسجل صوت إم-بي-ثري حتى تتمكن من الحديث إلى نفسها فيه، لأنها رغبت في تدوين يوميات لنفسها، لكنها لا تقرأ ولا تكتب)، وأخذت أنا الأخرى دوري في المقابلة، حاملة طفلها الجميل ذا الأربعة أشهر، والذي لم يعرف سوى الابتسام طوال الوقت.

حينما أسرد قصص بنات الشوارع يعلق كثير من الناس بأنني يجب أن أكون قوية حتى أعيش هذه القصص وأسمعها. كلما سمعت هذا أستحضر ذلك الألم الذي تحدثه ابتسامات المواليد الصغار بقلبي.. لا شيء يؤلمني مثل الابتسامات. هذه الانحناءات الصغيرة على الشفاه، هي المظهر العظيم الدال على حقيقة: كم نحن متساوون، وكم هي متشابهة بداياتنا جميعا بشكل عظيم، وكم هي ثمينة بشكل غير عادي بعض الابتسامات عند آخرين؛ لأن الحياة صممت لتكسرهم، ولتعطيهم لا شيء.. مزيدا عن ذلك.. ليبتسموا من أجله.

وأسمع «تغريد» وهي تحكي لي عن الثورة وعن الانتقال الذي قام به الأطفال الذين كانوا يبيتون في ميدان رمسيس إلى ميدان التحرير. إنها تتحدث عنه على أنه هجرة، وكأنما هذه المساحات الخضراء من الأرض، أو التي يفترض أن تكون خضراء، تمثل مدينة قائمة بذاتها، مدينة بمواطنيها الأطفال، هؤلاء الصغار الذين هم بلا بطاقة هوية، وبلا مأوى، وبلا الأسر التي أنجبتهم، وبلا حماية.

تخبرني «تغريد» بأن أحد الأطفال جاء راكضًا إليهم في مدينة «ميدان رمسيس» العظمى قائلا لهم إن هناك ملايين الناس في التحرير. وحينها قرر اثنان «زوج وزوجة» من أصدقائها (وهما طفلان في سن الرابعة عشرة، ويختلف الزواج وتكوين أسرة في أطفال الشوارع عما نعرفه نحن) أن الأفضل هو الانضمام إلى هناك، حتى لا تفوتهما الفرصة العظيمة لسرقة الهواتف المحمولة. تضحك كثيرا جدا وهي تخبرني بذلك وهي تقول: «ماذا كان سيكون رد فعل الصحفيين لو علموا السبب الحقيقي لوجود بعض الأطفال هناك!».

لكنها تستطرد لتقول: «ليس كل الأطفال كانوا هناك من أجل السرقة! لقد كانوا هناك أيضا لأنها تجربة شيقة لهم! وذلك لأن الناس كانوا يقولون لنا دوما إن الشارع شيء سيئ، وأننا يجب أن نترك الشارع، ولكن فجأة كل واحد كان هناك، كل واحد في البلد كان في (التحرير)، ولهذا انتقلنا إلى هناك من (رمسيس). كان الناس هناك يتحدثون إلينا، يطعموننا، ويمزحون معنا، ولدرجة أن بعضهم حاول أن يعلمنا القراءة والكتابة، بل إننا حتى كنا ننام بجوار كل هؤلاء الناس أصحاب الرائحة الجميلة. وقد ساعدناهم نحن أيضا، فقد كنا ندلهم من أين يشترون أرخص الطعام حينما نفد الطعام منهم، وعلمناهم أفضل الطرق للهروب من البوليس، وهذا لأن أحب لعبة إلينا هي الأتاري». وحينها رأت علامات الاستفسار على وجهي، أوضحت: «عربات الشرطة»، نحن نسميها «أتاري» وطوال اليوم نلعب بالجري والاختفاء منهم، لكننا نعلم جميعا أن الشرطة التى في «التحرير» مختلفة، فهي لا تضيغ الوقت جريا وراءك، لكنها بدلا من ذلك تقتلك بالرصاص.

لقد كانت كل قصصها وتحليلاتها حول الأسباب التي دفعت الأطفال إلى المكان الذي دار فيه الحدث كله غير مريبة. جميع الأسباب، حتى سرقة الهواتف المحمولة، كان يمكنني تفهمها، وأمكنني تفهم ذلك لأنني بدأت أتعرف على الأطفال أكثر. لكن، بعد مرور عامين،صارت إجابات الأطفال عن السؤال: «لماذا كانوا هناك بالتحرير» مريبة وتصيبني بقلق حقيقي. فقد كان الأطفال يتحدثون إلى زميلي «عادل» الذي كرس ثمانية عشر عاما من عمره حتى الآن للعمل مع الأطفال حين بدا مهموما وأخبرني إن نغمة الأطفال في الكلام تغيرت، وإن أحدا ما قد يكون تحدث مع بعض منهم، فتغيرت أفكارهم.

فالأطفال الذين يجرون حوله بزجاجات المولوتوف يسألونه «ماذا تساوي حياتي من دون قيمة؟ أنا أريد أن أموت شهيدا فيسامحني الله على جميع الأشياء السيئة التي عملتها في هذه الدنيا. أريد أن يكون لموتي معنى لأن حياتي لم يكن لها أي معنى. أريد أن أموت فيتحدث عني كل هؤلاء الناس الذين في (التحرير)، ويمشوا في جنازتي. أريد أن أموت ويكون هناك أحد ما يتذكرني، ويرسم وجهي على الحائط مثل كل الآخرين، لا.. إذن.. يا (بابا)، أنا لست خائفا من أن أموت».

لقد تغيرت علاقة أطفال الشارع بالثورة في بحر عامين. ولكن، سيظل هذا نوعا من المثالية أن نتجادل حول ما إذا كان الأطفال يذهبون إلى صفوف المواجهات الأمامية مع الأمن لأنهم يفهمون معنى التمرد كوسيلة لنهاية. إن الأطفال – لأنهم أطفال – ينبغي ألا يكونوا محل لوم على الوضع الفكري الذي يكونون عليه حينما يذهبون إلى صفوف المواجهات مع الأمن.

ماذا عن موت عمر ذي الثلاثة عشر عاما؟ عمر، تم قتل الولد الصغير برصاص اخترق القلب بواسطة الجيش الذي أنيط به حماية حدوده أمام الأعداء. هل كان هناك ليسرق الهواتف؟ لا. هل كان هناك لأنه أراد لوجهه الصغير أن يحفر في جرافيتي على الحوائط المحيطة بالميادين؟ لا. قتل عمر بالرصاص لأنه كان هناك. قتل عمر بالرصاص وهو يحاول الحصول على عيش شريف من الشوارع التي صارت مقرا لكثير من الطبقات، والأديان، والأعمار، والأيديولوجيات. قتل عمر بالرصاص لوجوده في طريقهم. قتل عمر بالرصاص – أكثر من أي سبب آخر- لأنه لن تلقى مسؤولية قتله على أحد. استقبل قلب عمر الصغير الرصاصة لأن البعض كانوا شديدي الجبن عن أن يحاسبوا هؤلاء المسؤولين عن ذلك. هذه المقالة لكل «عمر»  اعتقل وقتل بالرصاص، فقط لمجرد تواجده هناك؛ لأنه لم يكن هناك مكان آخر أكثر أمانا يذهب إليه

3 Comments

  1. أطفال الشوارع هم إنتاج المناطق العشوائيه
    المناطق العشوائيه مشكلة مصر وقضيتها وهي امن مصر القومي
    حل مشاكل العشوائيات افضل من تسليح الجيش المصري لانها ببساطه سوف تحقق الامن والامان والسلام الاجتماعي

  2. أحلامهم بسيطه , يمكن مدخلش مدارس محدش قاله ايه الصح وايه الغلط , بس بيرضي بالقيل
    الدولة بتظلمهم والمجتمع شريك في هذا الظلم
    وأسهل حاجه ممكن تقولها انهم عايزين الحرق
    هتلاقي منهم اخلاقهم مش كويسه بس ليهم حق عند الدولة لازم ياخدوه الاول
    الدولة سارقه خير البلد وبتحرم الشعب من حقوقه وجسد الغلبان مباح لكن لو انت من المسئولين الوضع يختلف
    ويخرج من يقول شعب همجي معندوش اخلاق شعب عايز الحرق
    الدولة تعطي العشب حقه وبعد كده اللي يغلط أي كان يتعاقب
    الناس لو أخذت حقها هنشوف شعب تاني

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s