أطفال شوارع و الإعاقة وبيع الجسد للنجاة.

prostitutionThis post was translated from the original post: http://wp.me/p1sf3y-gH by Aziz Arafat (@MikoBello8) and edited by Ahmed Fouda (@Fouda_) – many thanks to your generous efforts.

كانت ثالث زيارة لى إلى الملجأ, كانت الأجواء سعيدة ذلك اليوم وهو ما علمت به لاحقاً باقتران ذلك بوصول مولود جديد. فقد عادت شادية ومعها مولودها الجديد إلى البيت بعد يوم من عملية قيصرية أَجريت لها. طَلَبت اذا كان من الممكن لى الدخول لرأيتها , فانا لم ارى شادية من قبل , دخلت إلى غرفة النوم والتى كان بها ثلاث أسِرّة بطابقين و ستة خزانات كل منها مقفل بقِفل على حِدَ. شادية مستلقية على السرير وهى ترتجف. شعرت بالفزع , فلم يسبق لى وان قابلت شخصاً مصاب بمرض باركنسون ( وهو مرض يسبب ارتعاش في اطراف الجسم ). فجهلى لكلٍ من المرض وأطفال الشوارع لم يجعلنى مستعدة لرؤية طفل مصاب بذلك المرض. كانت شادية تبدو جميلة على الرغم من أنه بدى على عينها اليسرى من انه تم اقتلاعها.

كنت جديدة  في العمل ببحثى مع اطفال الشوارع وأيضاً كنت غير مهيأة للشعور بالألم الذى كان يجلبه لى هذا العمل ولكن على الرغم من ذلك لطالما كنت جيدة بإخفاء مشاعرى ورد فعلي , لذلك ابتسمت وسألت شادية اذا كان من الممكن لى بلمس طفلتها هانّا. ابتسمت لى . كم كانت هانّا رقيقة ! كم واثقة وهادئة بدَت لى تلك الطفلة الصغيرة  وهى ملفوفة ببطانية صفراء اللون مُتبرَع بها. كانت مستلقية بسعادة بجانب والدتها غير مدركة لما كانت تفقده في ذلك الحين. اخبرتُ شادية كم جميلة بدَت ابنتها وتمنيت لها بان تنشأ ابنتها بحياة سعيدة. الان استرجع ما قلته في ذلك اليوم وتصيبني القشعريرة .

خَرَجتُ من الغرفة لأتحدث مع شيماء فهى أخصائية نفسية رائعة , والتى شعرت بانى أرتجف فحاولت طمأنتي. أخبرتنى بأن هانّا هى المولودة الرابعة لشادية كمحاولة منها لإقناعى بان شادية معتادة  على مثل هذا الشيء. شعورى بكونى متطفلة لوجودى هناك بالإضافة إلى صورة شادية التي كانت تراود ذهنى وهى مستلقية مع انعدام الحس الأسرى والتي كانت بحاجة له حولها. علمت بأن ذلك الشعور سيطاردنى مدى العمر ولكنى لم أدرك بأن هناك المزيد لقصة فتاة الشارع تلك بالتحديد سيكون مصدر أرق لي، مسبباً ندماً مؤلماً مثيراً للكثير من الأسئلة في ذهنى عن القيمة الحقيقية للعمل الذى ذهبت هناك لأقوم به (أو عدمها).

تركت الملجأ وأنا أقوى مما كنت اعتقد. تذكرت من هى شادية, فتم اخبارى بشكل بسيط عنها وعن ظروفها, هى شابة صغيرة تعيش في الشارع بعد أن تركت والديها المتعسفين تبيعجسدها مقابل مأوى . اعتادت شادية المجيء إلى الملجأ لتلقى الرعاية الضرورية عند كل حالة حمل لها بحيث تتركه ومعها رضيعها أو رضيعتها بعد أربع أشهر من وضع جنينها. أنا لست من هواة الإحصاءات ولكن عاملى الملجأ يقولون لى بان 20% فقط من الفتيات اللواتى يقدمن إلى الملجأ يتم اعادة تأهيلهن مجددا داخل المجتمع ولكن بقية الفتيات كشادية يعدن إلى حياة الشوارع , فلا يوجد فهم كامل لتلك المشكلة لقلة الابحاث التي تتناول هذه المشكلة الاجتماعية.

كانت شادية قد هربت من منزل ابويها وذلك بعد تحمّل رهيب لسوء معاملة اهلها تجاهها كإبنة تعانى من إعاقة حركية ومنذ ذلك الحين وهى تعيش لسنوات في الشارع (وهو ما علِمت فيما بعد أنه شيء مكروه أو تابو). ثقافة تملك الأطفال تلقى بظلالها الخطيرة على الصدمة التي يعانيها اطفال الشوارع ذوي الإعاقة في مصر وشيء كهذا عادةً ما يُنسب إلى الفقر والجهل , ولكن ذلك ليس صحيحاً , فأنا أعرف مهندساً ناجحاً يعانى من إعاقة حركية وهو من عائلة ثرية جداً معظمها من الأطباء , فخلال طفولة هذا الشخص كان يتم تجاهله وإخفائه من قِبل عائلته امام الزوار والضيوف علاوة على استبعاده من الانشطة الاجتماعية كالزيارات إلى اصدقاء العائلة ولكن بخلاف قصة شادية , لم يكن يُعتدى عليه جسديا من الأهل. فلا تزال قسوة وسوء معاملته العاطفية والنفسية التي تسبب بها والديه كرد فعل على إعاقته تسبب له المشاكل في الكثير من مجالات حياته حتى هذه الأيام.

انا اعتقد بان شادية اكثر حظاً من غيرها من الفتيات الفقيرات واللاتى لديهن إعاقة ويشعرن بالضعف الذي يجعلهن غير قادرات على تخيل حياة بديلة أجمل. سبق وأن اتخذت شادية العديد من القرارات التي أدت بها إلى الاستلقاء بجانب طفلتها الرابعة والتى تعرفها بأنها لن تحتفظ بها. ولكن على من نُلقى نحن اللوم ؟ ففي مصر, لا يوجد نظام رعاية واهتمام بديل لاطفال الشوارع, فاتجاه شادية لحياة الشارع كان الخيار الأسهل لها, كذلك الحال للكثير من الأطفال الآخرين على الرغم من المخاطر التي يواجهوها. شادية تبيع جسدها مقابل بعض الطعام. أنا اتعجب وأسأل نفسى, من يقبل على نفسه ان ينام مع فتاه لديها اعاقة مقابل ساندويتش او توفير مسكن مؤقت لها ؟, هل هم نفس الرجال الذين أتطلع إلى ان يقوموا بالمساعدة في ادارة الحملات معنا لإحداث التغيير وتوفير الأمن للأطفال المحتاجين، الأكثر تعرضاً للمخاطر؟

كانت جميع محاولات الملجأ قد فشلت لإعادة تأهيل شادية , كانت أولها إعطاء شادية قرض صغير لتفتح كشك للبيع ولكنها قد فشلت في إدارته, أيضا حاول الملجأ ان يُزوج شادية لرجل أيضا محاولة إقناعها لترك طفلها في ملجأ يسمى  ملجأ الأحلام وهو للأطفال تحت سن الخامسة بحيث يتركن الفتيات اطفالهن هناك ويزرن أطفالهن متى شئنَ , على الرغم من ذلك, باءت جميع المحاولات بالفشل مع شادية .

على الرغم من عدم قدرتى على معرفة قصتها بالكامل منها , اختارت شادية على أن أقدم أنا لها بعض المساعدة , طلبت منى ان احضر لها بعض الأشياء كمزيل العرق, شامبو وسماعات لمشغل الموسيقى لها. كان ذلك أقل ما يمكن أن اقدم لها . طلبت منى شادية خلال زيارتى لها في فترة العيد ان أقدم لها مساعدة لم أتوقعها , طلبت منى ان آخذ هانّا , قمت بحملها وضمها إلى صدرى ظناً منى انها تريد اخفاء ما تلقت من نقود يوم العيد في مكان ما, ولكن لا لم يكن ذلك ما خطر ببالى. هى أرادتنى أن اخذ أبنتها.

حَمَلت “هانا”، ظنا مني أن شادية تريد الذهاب لتضع نقود العيد (العيدية) بعيدا، فوضّحت أنها تريدني أن آخذ إبنتها معي، لأربيها، مدى الحياة

قضيت ساعة كاملة وانا أُحدث شادية عن مدى براعتها باعتنائها بطفلتها, كنت صادقة بذلك , فقد كانت هانّا وامها دائماً تفوح منهن رائحة جميلة  , وبدى لى مدى اهتمام شادية بطفلتها فهى دائمة هادئة لا تبكى ودائماً ما تكون مستلقية بالقرب منها, أخبرتها عن مدى حب هانّا لها وهو ما كان واضحاً بالنسبة لى، وكيف أن هانا ستكبر لتقف بجانبها وتكون سندا لها . كان قد بدى علىَّ مدى سذاجتى بعد أشهر من وجودى معهن, ولكن في المرة اللاحقة التي زرتهن بها, كان شادية وطفلتها قد إختفيتا.

لاحقاً وبعد بضعة أشهر, خلال جولتى بصحبة تغريد التي استغرقت 3 ساعات إلى الجرّاح   , وجدت أن شادية قد باعت طفلتها مقابل 500 جنيه لزوجين, وان ذلك الزوجين قد أخذا هانّا ولكنهما لم يدفعا لها مقابل ذلك.

بطريقة ما… شعرت بأنى قد خذلت شادية وشعرت بأننى السبب لما حدث لشادية لعدم قبولى باخذ طفلتها. ولكن المجتمع والحكومة محاسبين ايضا لجعله من المستحيل قانونياً لى أخذ هانّا. أُدرك أيضاً ان المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً بأن بلدنا لا توفر نظام رعاية بديلاً ومُرَاقباً افضل من الحالى للعناية بالأشخاص كمثل شادية. هانّا سوف تظل تطارد افكارى، وأتمنى أن تطارد أفكار كل مصري كان في إستطاعته وفي سلطته توفير بديل افضل لشادية وأطفالها وسلامتهم، ولم يحرك ساكناً

أطفال الشارع الذين يستعطفون الهبة مننا اليوم، سيتحولون للخارجين عن القانون الذين يضعون رقابنا تحت أنصالهم، وهذا ما نستحقه [إحقاقاً لتجاهلنا لهم]

1 Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s