الحل البرازيلى

Image

نشرت صحيفة «المصرى اليوم» مقالا لكاتب أرى أنه ينبغى إلقاء القبض عليه بتهمة استخدام خطاب يحض على الكراهية؛ تحت عنوان «أطفال الشوارع: الحل البرازيلى».

ويبدأ الكاتب مقاله، بسرد الأخطار التى يمثلها أطفال الشوارع على المجتمع؛ محددا الجرائم التى يحملهم مسئوليتها، ومن بينها فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، إلى جانب الاغتصاب والقتل وما إلى ذلك. وبعد هذا السرد، يذكرنا بـ «الحل» البرازيلى الذى، يقول إنه قد يكون مؤسفًا، ولكنه شجاع! فى ضوء ما تعانيه البرازيل من مصاعب اقتصادية.

وأشاد بالقرار الصعب الذى اتخذته السلطات البرازيلية، موضحا كونه لا إنسانيا ويائسا، ولكنه ضرورى! ويذكر أيضا أن السكان على الرغم من معرفتهم بما كان يحدث، قرروا غض الطرف، من أجل المصلحة الكبرى للعمل الجاد، والمواطنين الذين سوف يستفيدون من هذا «القرار المصيرى» لإعادة النظام الى المدينة. ويقول إنهم كانوا يدركون أن التصرف الأكثر أخلاقية هو مساعدة الأطفال على الاندماج فى المجتمع، ولكن هذا من شأنه أن يتحقق بتكلفة اقتصادية عالية لا يمكن تحملها. ويخلص نصار عبدالله إلى الزعم أنه بفضل اتخاذ تدابير «شجاعة» من هذا النوع، نجح الحل البرازيلى فى تخليص الشوارع الرئيسية من أطفال الشوارع، ودفع ما تبقى منهم إلى الأحياء الفقيرة، ويشير إلى أن ما يسمى «نجاح» لا يبرر هذا العمل، ولكنه يبرهن على وجود إرادة حقيقية لتصحيح علل المجتمع، ويربطه بما تلاه من ارتفاع معدلات العمالة.

•••

وبالنسبة لمن لم يتابعوا الأحداث التى يشير إليها المؤلف، إليكم ملخص الوقائع: أطلقت فرق الموت فى البرازيل النار على الأطفال بينما كانوا نائمين خارج الكنائس. وقتل 50 طفلا مشردا أثناء النوم على أرض كاتدرائية كانديلاريا فى وسط مدينة ريو دى جانيرو، عندما أطلق مجموعة من المسلحين النار على الأطفال العزل فقتلوهم. وتم خطف أولئك الذين لم يموتوا، وضربهم وتعذيبهم وأطلقت عليهم الأعيرة النارية، فماتوا بعد أيام قليلة.

ولست متأكدة من المستوى الذى يفيد فى التفاهم مع هذا الكاتب، ولكن اسمحوا لى أن أتحدث بشكل مختصر وبسيط: على الرغم من كونك أستاذا للفلسفة فى مصر لم تفعل المبادرات النازية على مر العصور سوى جلب العار على كل من القادة والأتباع ومن يغضون الطرف عنها، من أولئك الذين يعيشون داخل خطاب تلك المعتقدات. فليس أطفال الشوارع مرضا يتطلب علاجًا؛ وإنما عرض من أعراض علل؛ ليس فقط المجتمع ولكن الحكومات والدول الوهمية والضعيفة التى تعجز عن وقف هروب الأطفال المعرضين للخطر، من البيوت والكبار والبحث عن ملجأ فى مخاطر الشارع.

ولتعلم، أن الأطفال الذين تتحدث عنهم، وحملتهم مسئولية فشل المجتمع، هم نفس الأطفال الذين كنت أعمل من أجلهم، لأكثر من عامين. وهم الأطفال الذين هربوا من التعذيب؛ من تقييدهم وإلقاء الماء المغلى على أجسادهم، لعدم قيامهم بأعمال التنظيف جيدا، أو عدم الانصياع لأوامر الآباء جيدا، والأطفال الذين هم أصغر من أن يتحملوا الانتهاك الجنسى والعاطفى والنفسى والمالى. أدعوك، يا سيدى، أن تأتى ولتعمل معنا لبضع ليال، وتقوم بزيارة الأطفال الذين ينامون ويتجمعون معا ـ طلبا للأمان ـ تحت الكبارى، الذين يتعرضون للاغتصاب كل ليلة ولكنهم لا يزالون يشعرون بالأمان، أكثر مما كان عليه الحال فى منازلهم، أو فى المؤسسات الإصلاحية؛ حيث يتم تقييدهم فى السرير، ويتعرضون للضرب بأخشاب السرير. أدعوك لمرافقتنا، نحن الذين نعمل مع هؤلاء الأطفال، إلى أجنحة الولادة والتعرف إلى تعامل الموظفين هناك مع الفتيات اللاتى تتراوح أعمارهم بين 13 أو 14 عاما، المرعوبات، اللاتى نأخذهن للولادة لأنهن يحملن، وحدهن، عار الاغتصاب من قبل أحد أفراد الأسرة، أو رجل شرطة، أو موظف الرعاية، أو أى شخص فى الشارع. أدعوك، سيدى، أن تأتى معنا ونحن نحاول استخراج شهادات الميلاد أو الوفاة بالنسبة لأولئك الذين لا يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية حتى. عندها فقط، يا سيدى، هل يمكن أن تكون فى وضع يسمح باقتراح حلول «شجاعة»؟

•••

ولكن، دعنى أتحدث إليك، على نحو ربما يمكن أن تفهمه بصورة أفضل. نشكرك على اقتراحك لكيفية تحسين علل مصر، لكنه حل لم ينجح فعليا. ففى 30 أبريل 1996، صدرت أحكام بالسجن على الضباط الذين تورطوا فى إطلاق النار لمدد تصل إلى 309 سنوات. كما توضح الإحصاءات الأخيرة أن هناك نحو ثمانية ملايين من أطفال الشوارع فى البرازيل (800 ألف منهم يعملون فى دعارة الأطفال) وكان معدل البطالة فى البرازيل عام 1993 نحو 5.4 فى المائة، بلغ هذا العام (5.2 فى المائة (بعد مرور 21 عامًا). وأوصيك بالبحث قبل أن تعتبر أن سرقة حياة الأطفال، نصيحة لإثبات جدية الدولة فى اعتماد نهج إصلاحى لمشاكلها. وأنا أتفق معك فى شىء واحد: حاجة الحكومة لإظهار الشجاعة. ولكن، يا سيدى، نحن لسنا من أهل الكهف، ولسنا نازيين. يجب أن تبدى حكوماتنا الشجاعة فى الاعتراف بأنها لم تدرك منذ البداية كيفية حل المشكلات التى تدفع بالأطفال إلى الشارع. يجب أن تتسم بالتواضع وتعترف بحاجتها إلى مساعدة من الباحثين المحترفين والعاملين فى المنظمات غير الحكومية، للعمل معا ومعرفة ما يقود الأطفال إلى الشوارع، وأسباب بقائهم فيه، كما ينبغى أن تظهر شجاعة فى استثمار الأموال من أجل تجربة الرعاية البديلة الخاضعة للمراقبة، حيثما تسىء الأسر معاملة أطفالها خارج المنازل! ولاشك أن هذا الكاتب يمثل حلا مفرطا فى الشجاعة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s