مصر: الاعتداء الجنسي على الاطفال : وتغيير فى المناهج

Image

(Extremely grateful to the lovely Mohamed Ateya for translating this post – thank you!)

و ارتفع ذراعها الصغير فى الهواء و هتفت بشجاعة و حماس : “لقد فعلها والدى!!” سلمى _طفلة صغيرة تبلغ من العمر أربع سنوات_ قالتها و لم تكن تعلم حجم الصدمة و الالم التى خلفتها كلماتها بالمتدربين ربما لسنوات قادمة . فجاءت ردة الفعل المتحمسة لاحد المدربين قائلا “لا يحق لاحدهم ان يمس المناطق الخاصة فى جسدى” بينما قاموا بشجاعة (بالطبع شجاعة , فقد كنا بمصر فى النهاية ) بالاشارة الى أثدائهم و مؤخراتهم ليوضحوا للصغار أمامهم عن مقصدهم . و بعد جلسات خاصة لاستشارى الاطفال مع الطفلة تبين انه كان يتم التحرش بالطفلة من قبل والدها لفترة من الزمن . و بينما كانت الفتاة الشجاعة مع فريق العمل الشجاع الذين كانوا يؤدون دور رائد مع الاطفال قرروا ان يشركوا والدة الطفلة بالامر . و لكن انكرت الوالدة قول الطفلة و هددتها ان تصمت و قالت لها ان الاطفال الذين يكذبون تكون نهايتهم نار الجحيم , ولا تزال سلمى تعانى حتى الان . Continue reading

أطفال شوارع و الإعاقة وبيع الجسد للنجاة.

prostitutionThis post was translated from the original post: http://wp.me/p1sf3y-gH by Aziz Arafat (@MikoBello8) and edited by Ahmed Fouda (@Fouda_) – many thanks to your generous efforts.

كانت ثالث زيارة لى إلى الملجأ, كانت الأجواء سعيدة ذلك اليوم وهو ما علمت به لاحقاً باقتران ذلك بوصول مولود جديد. فقد عادت شادية ومعها مولودها الجديد إلى البيت بعد يوم من عملية قيصرية أَجريت لها. طَلَبت اذا كان من الممكن لى الدخول لرأيتها , فانا لم ارى شادية من قبل , دخلت إلى غرفة النوم والتى كان بها ثلاث أسِرّة بطابقين و ستة خزانات كل منها مقفل بقِفل على حِدَ. شادية مستلقية على السرير وهى ترتجف. شعرت بالفزع , فلم يسبق لى وان قابلت شخصاً مصاب بمرض باركنسون ( وهو مرض يسبب ارتعاش في اطراف الجسم ). فجهلى لكلٍ من المرض وأطفال الشوارع لم يجعلنى مستعدة لرؤية طفل مصاب بذلك المرض. كانت شادية تبدو جميلة على الرغم من أنه بدى على عينها اليسرى من انه تم اقتلاعها.

كنت جديدة  في العمل ببحثى مع اطفال الشوارع وأيضاً كنت غير مهيأة للشعور بالألم الذى كان يجلبه لى هذا العمل ولكن على الرغم من ذلك لطالما كنت جيدة بإخفاء مشاعرى ورد فعلي , لذلك ابتسمت وسألت شادية اذا كان من الممكن لى بلمس طفلتها هانّا. ابتسمت لى . كم كانت هانّا رقيقة ! كم واثقة وهادئة بدَت لى تلك الطفلة الصغيرة  وهى ملفوفة ببطانية صفراء اللون مُتبرَع بها. كانت مستلقية بسعادة بجانب والدتها غير مدركة لما كانت تفقده في ذلك الحين. اخبرتُ شادية كم جميلة بدَت ابنتها وتمنيت لها بان تنشأ ابنتها بحياة سعيدة. الان استرجع ما قلته في ذلك اليوم وتصيبني القشعريرة .

خَرَجتُ من الغرفة لأتحدث مع شيماء فهى أخصائية نفسية رائعة , والتى شعرت بانى أرتجف فحاولت طمأنتي. أخبرتنى بأن هانّا هى المولودة الرابعة لشادية كمحاولة منها لإقناعى بان شادية معتادة  على مثل هذا الشيء. شعورى بكونى متطفلة لوجودى هناك بالإضافة إلى صورة شادية التي كانت تراود ذهنى وهى مستلقية مع انعدام الحس الأسرى والتي كانت بحاجة له حولها. علمت بأن ذلك الشعور سيطاردنى مدى العمر ولكنى لم أدرك بأن هناك المزيد لقصة فتاة الشارع تلك بالتحديد سيكون مصدر أرق لي، مسبباً ندماً مؤلماً مثيراً للكثير من الأسئلة في ذهنى عن القيمة الحقيقية للعمل الذى ذهبت هناك لأقوم به (أو عدمها).

تركت الملجأ وأنا أقوى مما كنت اعتقد. تذكرت من هى شادية, فتم اخبارى بشكل بسيط عنها وعن ظروفها, هى شابة صغيرة تعيش في الشارع بعد أن تركت والديها المتعسفين تبيعجسدها مقابل مأوى . اعتادت شادية المجيء إلى الملجأ لتلقى الرعاية الضرورية عند كل حالة حمل لها بحيث تتركه ومعها رضيعها أو رضيعتها بعد أربع أشهر من وضع جنينها. أنا لست من هواة الإحصاءات ولكن عاملى الملجأ يقولون لى بان 20% فقط من الفتيات اللواتى يقدمن إلى الملجأ يتم اعادة تأهيلهن مجددا داخل المجتمع ولكن بقية الفتيات كشادية يعدن إلى حياة الشوارع , فلا يوجد فهم كامل لتلك المشكلة لقلة الابحاث التي تتناول هذه المشكلة الاجتماعية.

كانت شادية قد هربت من منزل ابويها وذلك بعد تحمّل رهيب لسوء معاملة اهلها تجاهها كإبنة تعانى من إعاقة حركية ومنذ ذلك الحين وهى تعيش لسنوات في الشارع (وهو ما علِمت فيما بعد أنه شيء مكروه أو تابو). ثقافة تملك الأطفال تلقى بظلالها الخطيرة على الصدمة التي يعانيها اطفال الشوارع ذوي الإعاقة في مصر وشيء كهذا عادةً ما يُنسب إلى الفقر والجهل , ولكن ذلك ليس صحيحاً , فأنا أعرف مهندساً ناجحاً يعانى من إعاقة حركية وهو من عائلة ثرية جداً معظمها من الأطباء , فخلال طفولة هذا الشخص كان يتم تجاهله وإخفائه من قِبل عائلته امام الزوار والضيوف علاوة على استبعاده من الانشطة الاجتماعية كالزيارات إلى اصدقاء العائلة ولكن بخلاف قصة شادية , لم يكن يُعتدى عليه جسديا من الأهل. فلا تزال قسوة وسوء معاملته العاطفية والنفسية التي تسبب بها والديه كرد فعل على إعاقته تسبب له المشاكل في الكثير من مجالات حياته حتى هذه الأيام.

انا اعتقد بان شادية اكثر حظاً من غيرها من الفتيات الفقيرات واللاتى لديهن إعاقة ويشعرن بالضعف الذي يجعلهن غير قادرات على تخيل حياة بديلة أجمل. سبق وأن اتخذت شادية العديد من القرارات التي أدت بها إلى الاستلقاء بجانب طفلتها الرابعة والتى تعرفها بأنها لن تحتفظ بها. ولكن على من نُلقى نحن اللوم ؟ ففي مصر, لا يوجد نظام رعاية واهتمام بديل لاطفال الشوارع, فاتجاه شادية لحياة الشارع كان الخيار الأسهل لها, كذلك الحال للكثير من الأطفال الآخرين على الرغم من المخاطر التي يواجهوها. شادية تبيع جسدها مقابل بعض الطعام. أنا اتعجب وأسأل نفسى, من يقبل على نفسه ان ينام مع فتاه لديها اعاقة مقابل ساندويتش او توفير مسكن مؤقت لها ؟, هل هم نفس الرجال الذين أتطلع إلى ان يقوموا بالمساعدة في ادارة الحملات معنا لإحداث التغيير وتوفير الأمن للأطفال المحتاجين، الأكثر تعرضاً للمخاطر؟

كانت جميع محاولات الملجأ قد فشلت لإعادة تأهيل شادية , كانت أولها إعطاء شادية قرض صغير لتفتح كشك للبيع ولكنها قد فشلت في إدارته, أيضا حاول الملجأ ان يُزوج شادية لرجل أيضا محاولة إقناعها لترك طفلها في ملجأ يسمى  ملجأ الأحلام وهو للأطفال تحت سن الخامسة بحيث يتركن الفتيات اطفالهن هناك ويزرن أطفالهن متى شئنَ , على الرغم من ذلك, باءت جميع المحاولات بالفشل مع شادية .

على الرغم من عدم قدرتى على معرفة قصتها بالكامل منها , اختارت شادية على أن أقدم أنا لها بعض المساعدة , طلبت منى ان احضر لها بعض الأشياء كمزيل العرق, شامبو وسماعات لمشغل الموسيقى لها. كان ذلك أقل ما يمكن أن اقدم لها . طلبت منى شادية خلال زيارتى لها في فترة العيد ان أقدم لها مساعدة لم أتوقعها , طلبت منى ان آخذ هانّا , قمت بحملها وضمها إلى صدرى ظناً منى انها تريد اخفاء ما تلقت من نقود يوم العيد في مكان ما, ولكن لا لم يكن ذلك ما خطر ببالى. هى أرادتنى أن اخذ أبنتها.

حَمَلت “هانا”، ظنا مني أن شادية تريد الذهاب لتضع نقود العيد (العيدية) بعيدا، فوضّحت أنها تريدني أن آخذ إبنتها معي، لأربيها، مدى الحياة

قضيت ساعة كاملة وانا أُحدث شادية عن مدى براعتها باعتنائها بطفلتها, كنت صادقة بذلك , فقد كانت هانّا وامها دائماً تفوح منهن رائحة جميلة  , وبدى لى مدى اهتمام شادية بطفلتها فهى دائمة هادئة لا تبكى ودائماً ما تكون مستلقية بالقرب منها, أخبرتها عن مدى حب هانّا لها وهو ما كان واضحاً بالنسبة لى، وكيف أن هانا ستكبر لتقف بجانبها وتكون سندا لها . كان قد بدى علىَّ مدى سذاجتى بعد أشهر من وجودى معهن, ولكن في المرة اللاحقة التي زرتهن بها, كان شادية وطفلتها قد إختفيتا.

لاحقاً وبعد بضعة أشهر, خلال جولتى بصحبة تغريد التي استغرقت 3 ساعات إلى الجرّاح   , وجدت أن شادية قد باعت طفلتها مقابل 500 جنيه لزوجين, وان ذلك الزوجين قد أخذا هانّا ولكنهما لم يدفعا لها مقابل ذلك.

بطريقة ما… شعرت بأنى قد خذلت شادية وشعرت بأننى السبب لما حدث لشادية لعدم قبولى باخذ طفلتها. ولكن المجتمع والحكومة محاسبين ايضا لجعله من المستحيل قانونياً لى أخذ هانّا. أُدرك أيضاً ان المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً بأن بلدنا لا توفر نظام رعاية بديلاً ومُرَاقباً افضل من الحالى للعناية بالأشخاص كمثل شادية. هانّا سوف تظل تطارد افكارى، وأتمنى أن تطارد أفكار كل مصري كان في إستطاعته وفي سلطته توفير بديل افضل لشادية وأطفالها وسلامتهم، ولم يحرك ساكناً

أطفال الشارع الذين يستعطفون الهبة مننا اليوم، سيتحولون للخارجين عن القانون الذين يضعون رقابنا تحت أنصالهم، وهذا ما نستحقه [إحقاقاً لتجاهلنا لهم]

قتل «عمر» برصاص اخترق القلب.. وهل لأطفال الشوارع قلوب مثلنا؟

484758_10152843149550231_671424420_n

This post was originally posted in Al Masry Al Youm and has been beautifully translated by my dedicate friend Mohammed Esmat Farag

يعرف كثير جدا من الأطفال الذين في الشوارع تماما ماذا تريد أن تسمع منهم. فهم يتفحصونك، ويقيمون شخصيتك، وفي دقائق يكونون قد جهزوا لك القصة التي من أجلها أتيت إليهم. إنهم يجب أن يكونوا بهذا الذكاء، لأن هذا ما يعتمد عليه بقاؤهم.

أتذكر حديثي مع إحدى الصحفيات التي ذكرت لي دهشتها من الطفلة التي أخبرتها بأنها انضمت للاحتجاجات في يناير 2011بسبب اهتمامها بالبلاد، ولأنها أرادت أن تحدث تغييرا سياسيا واجتماعيا – أعرف جيدا هذه الطفلة التي كانت تتحدث عنها – ولكن الطفلة لم تتمكن من الحديث حول «التغيير السياسي» الذي ذكرته، لأنها ببساطة لم تكن تعرف ماذا تعني هذه الكلمة.

لقد عملت على أن أتعرف على البنات على مدار شهور طويلة، لا من خلال زيارات أو مقابلات «النصف ساعة» الرسمية، لكنني عملت على التعرف عليهن بحق، بتصفيقي لهن عندما كن يرقصن، بتعاطفي معهن حينما كن يتحدثن في جلسات العلاج الجماعي، بضحكي معهن لسماع قصصهن عن الشارع، بتنظيفي لجروحهن بعد أن يؤذين أنفسهن لأي سبب. ولأني عشت هذه القصص شعرت بأنني يمكنني أن أسأل «تغريد»، إحدى البنات اللاتي في الشارع، عن السبب الحقيقي لوجود هؤلاء الأطفال هناك في الميادين.

وعلى هذا بدأنا نلعب أدوارنا في المقابلة: «تغريد» تمسك في فرحة بمسجل صوت إم-بي-ثري بيد واحدة وتتفحصه، وهي تشعر بالدهشة أنها في خلال لحظة واحدة سيكون بوسعها أن تسمع أفكارها (طلبت مني أن أشتري لها مسجل صوت إم-بي-ثري حتى تتمكن من الحديث إلى نفسها فيه، لأنها رغبت في تدوين يوميات لنفسها، لكنها لا تقرأ ولا تكتب)، وأخذت أنا الأخرى دوري في المقابلة، حاملة طفلها الجميل ذا الأربعة أشهر، والذي لم يعرف سوى الابتسام طوال الوقت.

حينما أسرد قصص بنات الشوارع يعلق كثير من الناس بأنني يجب أن أكون قوية حتى أعيش هذه القصص وأسمعها. كلما سمعت هذا أستحضر ذلك الألم الذي تحدثه ابتسامات المواليد الصغار بقلبي.. لا شيء يؤلمني مثل الابتسامات. هذه الانحناءات الصغيرة على الشفاه، هي المظهر العظيم الدال على حقيقة: كم نحن متساوون، وكم هي متشابهة بداياتنا جميعا بشكل عظيم، وكم هي ثمينة بشكل غير عادي بعض الابتسامات عند آخرين؛ لأن الحياة صممت لتكسرهم، ولتعطيهم لا شيء.. مزيدا عن ذلك.. ليبتسموا من أجله.

وأسمع «تغريد» وهي تحكي لي عن الثورة وعن الانتقال الذي قام به الأطفال الذين كانوا يبيتون في ميدان رمسيس إلى ميدان التحرير. إنها تتحدث عنه على أنه هجرة، وكأنما هذه المساحات الخضراء من الأرض، أو التي يفترض أن تكون خضراء، تمثل مدينة قائمة بذاتها، مدينة بمواطنيها الأطفال، هؤلاء الصغار الذين هم بلا بطاقة هوية، وبلا مأوى، وبلا الأسر التي أنجبتهم، وبلا حماية.

تخبرني «تغريد» بأن أحد الأطفال جاء راكضًا إليهم في مدينة «ميدان رمسيس» العظمى قائلا لهم إن هناك ملايين الناس في التحرير. وحينها قرر اثنان «زوج وزوجة» من أصدقائها (وهما طفلان في سن الرابعة عشرة، ويختلف الزواج وتكوين أسرة في أطفال الشوارع عما نعرفه نحن) أن الأفضل هو الانضمام إلى هناك، حتى لا تفوتهما الفرصة العظيمة لسرقة الهواتف المحمولة. تضحك كثيرا جدا وهي تخبرني بذلك وهي تقول: «ماذا كان سيكون رد فعل الصحفيين لو علموا السبب الحقيقي لوجود بعض الأطفال هناك!».

لكنها تستطرد لتقول: «ليس كل الأطفال كانوا هناك من أجل السرقة! لقد كانوا هناك أيضا لأنها تجربة شيقة لهم! وذلك لأن الناس كانوا يقولون لنا دوما إن الشارع شيء سيئ، وأننا يجب أن نترك الشارع، ولكن فجأة كل واحد كان هناك، كل واحد في البلد كان في (التحرير)، ولهذا انتقلنا إلى هناك من (رمسيس). كان الناس هناك يتحدثون إلينا، يطعموننا، ويمزحون معنا، ولدرجة أن بعضهم حاول أن يعلمنا القراءة والكتابة، بل إننا حتى كنا ننام بجوار كل هؤلاء الناس أصحاب الرائحة الجميلة. وقد ساعدناهم نحن أيضا، فقد كنا ندلهم من أين يشترون أرخص الطعام حينما نفد الطعام منهم، وعلمناهم أفضل الطرق للهروب من البوليس، وهذا لأن أحب لعبة إلينا هي الأتاري». وحينها رأت علامات الاستفسار على وجهي، أوضحت: «عربات الشرطة»، نحن نسميها «أتاري» وطوال اليوم نلعب بالجري والاختفاء منهم، لكننا نعلم جميعا أن الشرطة التى في «التحرير» مختلفة، فهي لا تضيغ الوقت جريا وراءك، لكنها بدلا من ذلك تقتلك بالرصاص.

لقد كانت كل قصصها وتحليلاتها حول الأسباب التي دفعت الأطفال إلى المكان الذي دار فيه الحدث كله غير مريبة. جميع الأسباب، حتى سرقة الهواتف المحمولة، كان يمكنني تفهمها، وأمكنني تفهم ذلك لأنني بدأت أتعرف على الأطفال أكثر. لكن، بعد مرور عامين،صارت إجابات الأطفال عن السؤال: «لماذا كانوا هناك بالتحرير» مريبة وتصيبني بقلق حقيقي. فقد كان الأطفال يتحدثون إلى زميلي «عادل» الذي كرس ثمانية عشر عاما من عمره حتى الآن للعمل مع الأطفال حين بدا مهموما وأخبرني إن نغمة الأطفال في الكلام تغيرت، وإن أحدا ما قد يكون تحدث مع بعض منهم، فتغيرت أفكارهم.

فالأطفال الذين يجرون حوله بزجاجات المولوتوف يسألونه «ماذا تساوي حياتي من دون قيمة؟ أنا أريد أن أموت شهيدا فيسامحني الله على جميع الأشياء السيئة التي عملتها في هذه الدنيا. أريد أن يكون لموتي معنى لأن حياتي لم يكن لها أي معنى. أريد أن أموت فيتحدث عني كل هؤلاء الناس الذين في (التحرير)، ويمشوا في جنازتي. أريد أن أموت ويكون هناك أحد ما يتذكرني، ويرسم وجهي على الحائط مثل كل الآخرين، لا.. إذن.. يا (بابا)، أنا لست خائفا من أن أموت».

لقد تغيرت علاقة أطفال الشارع بالثورة في بحر عامين. ولكن، سيظل هذا نوعا من المثالية أن نتجادل حول ما إذا كان الأطفال يذهبون إلى صفوف المواجهات الأمامية مع الأمن لأنهم يفهمون معنى التمرد كوسيلة لنهاية. إن الأطفال – لأنهم أطفال – ينبغي ألا يكونوا محل لوم على الوضع الفكري الذي يكونون عليه حينما يذهبون إلى صفوف المواجهات مع الأمن.

ماذا عن موت عمر ذي الثلاثة عشر عاما؟ عمر، تم قتل الولد الصغير برصاص اخترق القلب بواسطة الجيش الذي أنيط به حماية حدوده أمام الأعداء. هل كان هناك ليسرق الهواتف؟ لا. هل كان هناك لأنه أراد لوجهه الصغير أن يحفر في جرافيتي على الحوائط المحيطة بالميادين؟ لا. قتل عمر بالرصاص لأنه كان هناك. قتل عمر بالرصاص وهو يحاول الحصول على عيش شريف من الشوارع التي صارت مقرا لكثير من الطبقات، والأديان، والأعمار، والأيديولوجيات. قتل عمر بالرصاص لوجوده في طريقهم. قتل عمر بالرصاص – أكثر من أي سبب آخر- لأنه لن تلقى مسؤولية قتله على أحد. استقبل قلب عمر الصغير الرصاصة لأن البعض كانوا شديدي الجبن عن أن يحاسبوا هؤلاء المسؤولين عن ذلك. هذه المقالة لكل «عمر»  اعتقل وقتل بالرصاص، فقط لمجرد تواجده هناك؛ لأنه لم يكن هناك مكان آخر أكثر أمانا يذهب إليه

“Red Square”. Painting by the incredibly talented Mohamed Negm – mo*star art http://www.mostarart.com

“Red Square”. Painting by the incredibly talented Mohamed Negm – mo*star art http://www.mostarart.com

This post was originally translated from my original blog into arabic by Ekram Khalil for Shorouk News

قرأت فى الصحف وعلى مواقع الإنترنت، عن الاعتداءات الجماعية على المتظاهرات فى الشوارع، ولو لم أكن قرأت العناوين، لظننت أن الكتاب اهتموا فجأة بالحياة اليومية لأطفال الشوارع. وكان من المنطقى أن افترض أنهم أصبحوا مراقبين حريصين على المتابعة، نزلوا إلى الشوارع لتسليط الضوء على مدى انتشار وطبيعية ثقافة الشارع التى يحياها كل طفل صغير فى كل ليلة. ولكننى قرأت العنوان؛ الذى تشير مفرداته إلى أنه يتعلق بالفتيات، والشابات والسيدات الأكبر سنا من «ولاد الناس»، والطبقتين العاملة والمتوسطة (لأن أطفال الشوارع هم الطبقة المستبعدة). وقد تم تدبيج هذه المقالات لأن «المواطنين» تعرضوا للضرب، وتعرض شرف «المواطنين» للانتهاك، وانتهكت حقوق الإنسان الخاصة بالمواطنين. أما أطفال الشوارع؟ فهم ليسوا بمواطنين، بل إنهم حتى لا يحملون بطاقات هوية. وعندما يتعرضون للاغتصاب، والقتل بالرصاص، والموت، على أبواب الملجأ، فليست هناك جريمة، لأن الأمر لا يتعلق بمواطنين. وهكذا، لا يتعلق هذا الطوفان من المقالات بشأن التحرش، والاعتداءات الجنسية، وعصابات الاغتصاب فى الشوارع، بأولاد الشوارع.

•••

ولكن، لأن هذا هو الواقع اليومى لأولئك الأطفال، فقد عرفت بنفسى الشوارع على النحو الذى اكتشفه الآخرون مؤخرا. ومن ثم، أعتقد أننى أستطيع أن ألقى ضوءا مختلفا، أو نظرة من زاوية مختلفة، على ظاهرة تثير فزع الكثيرين للغاية، ويشعر كثيرون بغرابتها. وأرى أن هذا أحد الأوجه القبيحة للشارع. وكما أن لكل إنسان ولكل صديق، وجها قبيحا، لا تراه، أو تعرفه، أو تزدريه، إلا إذا أمضيت معه وقتا طويلا كافيا. فلا يمكن إخفاء حقيقته، وفجاجته إلى الأبد، كما أن نشوة الصورة المتخيلة، عن التضامن الذى يحققه الشارع خلال فترات الثورات، يبدأ فى التآكل، ويصبح الشارع وجميع سكانه غير المواطنين حقيقة، لا يمكنك أن تهرب منها، وهى الحقيقة التى شاركت بنفسك فيها والتى أثارت مخاوفك أيضا.

وبمناسبة الحديث عن الفزع، فقد بدا الكثير من الاهتمام والرعب، إثر الاعتداء بشفرة على أحد ضحايا هذه الاعتداءات. وقد تعجبت للمفارقة فى توقيت هذا الاعتداء. ففى الشهر الماضى، كنت قد اصطحبت احدى فتيات الشوارع اللاتى أتعامل معهن إلى جراح تجميل كريم، عرض على فتياتى، إجراء جراحة مجانا لمعالجة الندوب التى عانين منها، فى أثناء مثل هذه الاعتداءات فى الشوارع. ويعتبر الرعب جانبا من جانب ثقافة الاغتصاب فى الشوارع؛ حيث تسجل علامة على وجه كل طفل أو فتاة تعرض للاغتصاب. وتكون هذه العلامة عادة على شكل منحنى تحت عين الضحية، تعنى أنها لم تعد عذراء. وسوف يتم تسجيل الاعتداءات اللاحقة وهى كثيرة عبر ندوب أصغر، فى أى مكان آخر على الجسد. ولا ينسى أى منا فى الملجأ فتاة كانت محظوظة؛ حيث فلتت من الجرح فى الوجه، لكنها احتاجت لخياطة 16 غرزة أسفل ظهرها، حيث تم طعنها بالسكين عندما كانت تهرب من مغتصبيها.

وأنا لست خبيرة بنظرية المؤامرة، لكننى مستشارة فى مجال أولاد الشوارع، ومخاطر الشوارع. ومن ثم، عندما قرأت التفسيرات حول أن الحزب الوطنى الديمقراطى والإخوان المسلمين هم من دفعوا الغوغاء إلى هذه الاعتداءات الجنسية، كنت مترددة. فقد تذكرت أنه ما من أحد دفع أجرا للرجال الأربعة فى الثلاثينيات والأربعينيات من أعمارهم لاغتصاب مايا ذات السبع سنوات، والتى كانت تعيش فى الشارع منذ أيام قليلة فحسب. حيث يعتقد المعتدون أنه كلما كانت الطفلة صغيرة فى السن؛ قلت مخاطر الإصابة بالإيدز.

•••

ويجلب العيش فى الشوارع معه الكثير من المخاطر، وكلما عشت فى الشارع، كلما زادت احتمالات تعرضك للخطر. فهل يجعلنا ذلك نوافق على ما يحدث؟ بالطبع لا، ولكنه يلقى الضوء على محنة الأطفال الذين لا يلقون نفس الاهتمام، والرعب عندما تقع عليهم هذه الاتهامات، يوميا. كما يركز على أن الشوارع أصبحت تثير الرعب، لأننا سمحنا لها بألا تكون آمنة. ويوضح كيف يتم دائما تجاهل القانون وإنفاذه فهل يستحق هذا الرعب أن يعامل بقدر أقل من الغضب لمجرد أنه صار واقعا يوميا؟ لا، ولكن الغضب، والدعم الذى ينبغى أن يأتى بعده الإصلاح، يتعين أن يمتد إلى أولئك الذين لا يحظون بالاهتمام الرسمى فى هذه الاعتداءات لأن الاعتداءات فى الشوارع منذ بداية العام لم تكن 25 اعتداء فحسب. وقد شهدت للمرة الأولى الرعب من الاعتداء الجنسى فى التحرير، وكنت أشعر بالغضب مع كل قصة أسمعها. وقد حان الآن الوقت كى نستيقظ على حقيقة الشوارع، فبينما أصبحنا سباقين إلى الحفاظ على الشوارع آمنة من أجلنا «نحن»، نحتاج أن نوسع كل هذا ليمتد إلى الأطفال الذين ليسوا ضمن حساباتنا، من يحتاجون أن ينقل الكبار ألمه وتجربتهم، لأنهم يحظون باهتمام بالغ.

وسيقول لكم أولاد الشوارع، إن الاغتصاب الجماعى ليس سوى مجرد البداية بالنسبة لهم، ويأتى بعد ذلك مباشرة الدعارة وتهريب المخدرات والمواد الإباحية. وما تشهده الطبقة الثورية الآن، ليس سوى بداية ما يشهده آلاف الأطفال فى شوارعنا، بنين وبنات، هل تتخيلون ذلك؟

•••

ومازالت بوصلة اللوم مختلة، فكما يوجه الناس اصبع الاتهام إلى أطفال الشوارع، لأنهم فى الشوارع وليسوا فى البيت، متجاهلين كل الأسباب التى دفعتهم إليه، يوجهون الآن نفس الإصبع إلى الإناث اللاتى يتعرض للاعتداء فى التحرير وغيره من الأماكن، بدعوى أن خطأهن أنهن لم يقرن فى بيوتهن آمنات. القضية هى المساءلة؛ فبمجرد أن نتعلم معنى هذه الكلمة، ريما يكون الشوارع أثر أمانا بالنسبة لنا جميعا.

This is a girl trying her hardest to appear like a boy to stay safer on the street…this article was originally posted in Al Shorouk Newspaper here

girls

أهدي هذا التدوينة إلى الدكتور هاني حمام، شاكرة له أن اراني الجانب الأفضل من الحياة، وتقديرًا لمعاملته لإحدى “فتياتي” من بنات الشوارع، بأمانة ورقة

خلال الساعات الثلاث التى تستغرقها المسافة حتى وصولنا، تخبرنى تغريد عن المرات التى كانت تنظر فيها إلى المرآة، وتتذكر كيفية حدوث هذه الندبة. وبدلا من أن تنفق وقتا طويلا فى الحديث عن هذه الكيفية، تحكى لى بحماس كيف تعامل معها الطبيب بلطف. وكان الدكتور هانى كتب على تويتر يبلغنى انه يريد مساعدة الفتيات اللاتى يعانين من ندبات الاغتصاب، وعرض إجراء هذه العمليات مجانا. ولم أكن فى مصر فى ذلك الوقت؛ وعدت لأجد تغريدا أجرت الجراحة وهى ذاهبة اليوم لفك الغرز. وحكت لى عن نظافة العيادة، وأن الدكتور كان يعاملها كما لو كانت «السيدة تغريد» وعندما سألها عن اسمها، أجابت «اسمى الحقيقى أم اسم الشهرة»؟ وعندما سألها عن اسمها الحقيقى مازحته قائلة «أبو لهب» وضحكت.

•••

وقد لا يبدو الأمر لافتا لك عزيزى القارئ أن يعامل الطبيب تغريدا باللطف والاحترام. فإذا كان كذلك، دعنى أوضح: أثناء الرحلة، كانت تروى تجربة ولادة طفلها على سبيل المقارنة؛ وتحكى أنها بمجرد دخولها إلى العيادة وهى تتألم، سألوها عن زوجها، وعن الندبة التى على وجهها، ومن الذى سيضمنها. ونظرا لأنه لم يكن معها رجل، استخدمها الأطباء من أجل تعليم صغار الأطباء من دون موافقتها؛ وبمجرد أن فحصها الطبيب، امتدت 20 يدا داخلها. وكانت تروى لى هذه القصة وهى تهز رأسها مع ابتسامة خفيفة، وتقول إنها واثقة من أنه إذا كان الدكتور هانى شاهد كيف تعاملوا معها، لكانوا جميعا فى مشكلة! وحكت لى تغريد أثناء رحلتنا قصصا أخرى، وقالت لى إنها لا ترغب فى تناول الطعام حتى تعود لينا. وتحدثت عن المرة التى أخذت أم لينا ابنتها لمدة أسبوعين، ثم أعادتها إلى الملجأ عارية تعانى من الجديرى المائى، وفى رأسها قمل أكثر من كل القمل الذى شاهدته طوال حياتها. ولاشك أنه من المؤثر أن تستمع إلى تغريد وهى تتحدث بتلك الطريقة. ودهشت لأننى كنت مخطئة عندما شاهدتها للمرة الأولى؛ فقد حكمت عليها بأنها قاسية. ومن المؤلم أن ترى حنوها وهى تحتضن طفلها، وتتحدث بهذا القلق والإحساس بالعجز، عن طفل لأم أخرى. وكانت تقفز من موضوع لآخر: من قصص تعرضها للضرب على أيدى أهلها، إلى تقييدها وضربها فى مؤسسات الأحداث، إلى الحرية فى الشوارع، والأصدقاء الذين نامت معهم بجوار السكك الحديدية، إلى الإخصائيين الاجتماعيين الذين أخذوها إلى مطعم كنتاكى. أما القصتان اللتان تعود إليهما دائما، فعن أصدقائها الذين لا تستطيع العثور عليهم، وعن قلقها من اليوم الذى لاتستطيع فيه الإنفاق على تعليم ابنها!

•••

كانت تغريد تتوقف عن الحديث أثناء مرور السيارة عبر مدينة السادس من أكتوبر، لتشير إلى المبانى وتتساءل، كيف يتسنى أن يكون هناك العديد من المبانى الخالية، بينما ينام العديد من الناس فى الشوارع. وتقول إنها لم تكن تفكر فى أول رحلة لها إلى هنا، إلا فى العيش فى إحدى تلك الغرف مع ابنها. وكانت تفكر فى أنها تود لو تزرع التفاح، مثل التفاحات الست التى سرقتها ذات يوم من أجل أصدقائها، الذين لم يكونوا قد تناولوا الطعام لثلاثة أيام، وعندما حصلوا على بعض المال، عادوا ليدفعوا الثمن إلى بائع الفاكهة (الذى رفض تناول النقود، وأعطاهم ست تفاحات أخرى لقاء أمانتهم). وقبلت طفلها قائلة له إنه سوف يتعلم، ويكسب مائتى أو ثلاثمائة جنيه شهريا، ولن يجوع أبدا.

ونصل إلى مستشفى الجراحة، لتقودنا تغريد. ونصعد الطوابق الثلاث، وهى تحمل طفلها بيد وفى اليد الأخرى هدية للطبيب شمعة مما تنتجه الفتيات فى ورشتهن تم لفها بشكل خاص من أجل هذه المناسبة. وقوبلنا بحفاوة فى المستشفى كما لو كنا أصدقاء قدامى، وقدمت تغريد هديتها بفخر. وأحسست بدهشة فى حضور الرجل الذى التقيناه فى الداخل مع تواضعه الذى لا يمكن وصفه.

•••

ودخلت إلى حجرة العمليات، معتقدة أننى يمكن أن أقدم لها دعما. ولكن مرة أخرى، أدهشتنى بمرونتها وقوتها. فلم تجفل مرة واحدة، عندما كان يتم إزالة الغرز، على الرغم من الدم الذى كان ينز من الجرح، والدموع التى تجمعت فى ركنى عينيها. حاولت أن أمسك بيدها، لكنها سحبتها لأنها كانت تعد الغرز. كان التغيير مذهلا فى وجهها؛ فقطعة اللحم التى كانت تتدلى سابقا، تذكرها دائما بصدمتها، وضعفها، وقوتها، وتاريخها، لم تعد موجودة. وعلى الرغم من الصدمة النفسية التى تمثل ندوبا أعمق، لا ترى بالعين والمسئولية فى صورة ابنها، لم يعد التذكير اليومى بالنظر فى المرآه قائما. تركنا العيادة بعبء أخف، وتذكير أقل بحياة ملآى بالتحدى، والعنف والمعارك.

وبينما ندلف إلى السيارة، التفتت تغريد، وطلبت منى أن أحضر الكاميرا معى إلى الملجأ غدا، لأنها الآن لم تعد تخجل من التقاط صور لها مع ابنها.

Girl Trying to Sleep – فتاة تحاول النوم

Girl Trying to Sleep

One of our street girls, in her own words:

“This is a picture of a girl sleeping in the street. The girl is cold and no one feels for her and no one helps her. No one even thinks to give her something to cover her at all. The only reason people look at her is to try and find out if she is a girl or boy. No one in these buildings took notice of her. And when they saw her, they got very scared of her and didn’t notice the man that was around her, putting his hands on her. They didn’t notice that she couldn’t sleep because the man wouldn’t leave her alone.”

واحدة من فتيات الشوارع، بكلماتها الخاصة:

“ده صورة بنت نايمه فى الشارع ساقعانه محدش حاسس بيها ولا بيساعدها ولا حتى بيفكروا يدويها حاجه تستغطى بيها خالص محدش فالح يبص عليها غير عشلت يشوف هى ولد ولا بنت محدش فى العمارات ده بيفكر فيها ولا حتى خد باله منها وبص عليها ولما لاقوها خافوا منها اوى ومخدوش بالهم ان فى راجل عاملى يحوم حولها ويحط ايديه عليها وان هى كل ما تيجى تنام مش عارفه عشان الراجل مش سايبها فى حالها”.

(Thank you to the psychologist Shayma2 for sharing the story.)

كونك فتاة يدفعك للشارع أحيانًا

This little girl ran away to the street after refusing to give sexual favours.

This little girl ran away to the street after refusing to give sexual favours.

This post was translated by Al Shorouk and was published by them on 19 Jan 2013 and can also be read here

يشير العديد من التخمينات والإحصاءات والكثير من الأبحاث الأكاديمية والتطوعية إلى أسباب مختلفة تدفع الأطفال للعيش فى الشوارع. وتراوحت الأسباب بين ما إذا كان فقر أسر الأطفال المدقع هو الذى يدفع بهم إلى الشارع، أم مثلما اكتشف بعض الباحثين أن العنف والأسرة المحطمة يفضى بهم إلى الانتقال إلى حياة أكثر عنفا وتحطما فى الشوارع.

ولعل ما لم يشر إليه كثيرون أو لم يلحظه، أن مجرد كونك فتاة يكفى لدفعك إلى الشارع. «اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24»، هذا قول شائع بين أبناء الطبقة العاملة فى مصر. وهى أيضا عبارة، نسمعها نحن العاملين فى مجال خدمة أطفال الشوارع عندما نحاول التوسط بين هؤلاء الفتيات الهاربات وأهاليهن. وغالبا ما تكون الفتاة التى تنام فى العراء، ولدت لأسرة كانت فيها والدتها ضحية عنف من رب الأسرة، وقد دخلت هذه الدائرة لمجرد لفت النظر إليهم.

•••

ويمثل كونك فتاة، تحديا فى كل مكان. ولكن، الأمر يزيد سوءا عندما تكون الفتاة مصرية، من الطبقة العاملة الفقيرة، نشأت فى عائلة تتسم بالعنف، وتعيش مع أحد الوالدين. وليس هذا تعميما شاملا، وإنما هو تصوير ديموجرافى لمعظم الأطفال الذين أتعامل معهم. حيث تنام الفتيات تحت الكبارى، وفى منعطفات الشوارع، أو بجوار السكك الحديدية، وهذه الأعين الواسعة، اللاتى تراها وتسبب لك غالبا اضطرابا، أو تخيفك، هى عيون لأطفال مذعورين، جياع، وحيدين. وربما يسهل علينا أن ننسى ذلك. لكنهن مسحوقات فى سن الطفولة.

وغالبا ما تهرب فتيات الشوارع من الأسر التى عرضتهن للسفاح أو الاعتداء الجنسى من الإخوة والآباء وأزواج الأمهات. ومن بين الفتيات العشر النزيلات حاليا فى الملجأ، تعرضت فتاة عمرها 14 عاما، للاعتداء الجنسى من قبل زوج أمها منذ أن كانت فى التاسعة من عمرها، وعندما اكتشفت والدتها ذلك، أخذتها إلى المستشفى لإجراء فحص العذرية بعدما نفى زوجها الاعتداء. فقام بدفع رشوة للعاملين فى المستشفى، لإصدار تقرير وهمى. وفى القاهرة، خضعت لاختبار عذرية آخر، فصدر تقرير بأنها لم تعد عذراء، وبموجب هذا التقرير تم إدخالها إلى ملجأ «الأمهات الصغيرات».

أما الطفلة لمياء ذات العام الواحد، فهى ابنة سميرة ذات الثلاث عشرة سنة، التى تعرضت للاغتصاب من قبل كل من والدتها ووالدها. وقد تركت سميرة طفلتها فى الملجأ خشية المسئولية، ولا يعرف أحد إلى أين ذهبت. وربما كان من أكثر الحالات المؤلمة التى تتعامل معها قرية الأمل منظمة غير حكومية حاليا، حالة هايدى، الفتاة فائقة الجمال ذات الأربعة عشر عاما؛ فقد قام عمها بتكبيلها فى نفس الوضع لمدة ثلاثة شهور، وكان يغتصبها يوميا. ولم يطلق سراحها إلا عندما وعدت بالانضمام إلى شبكته للدعارة، التى أجبر أمها وشقيقته على العمل بها. وما أن فك قيودها، حتى جرت وألقت بنفسها من النافذة. ونقل المارة الفتاة التى تكسرت عظامها إلى نقطة الشرطة، فحولتها إلى الملجأ.

•••

ولا يتوقف العنف الجنسى فى البيت ضد الفتيات. ويعتبر الاغتصاب والتعامل بعنف مع الفتيات جزءا من ثقافة الشارع. ويحمل معظم فتيات الملجأ ندبة مقوسة على أحد جانبى الوجه، أو تحت العين؛ وفقا لتقليد معين للاغتصاب فى شوارع القاهرة، لم يستطع أى من العاملين مع الأطفال فهمه تماما. فبمجرد أن تغتصب فتاة للمرة الأولى، يتم عمل جرح عميق منحن فى وجهها، بواسطة مطواة أو قطعة من زجاج عادة، لتسجيل إنها لم تعد عذراء، ويتم تسجيل وقائع الاغتصاب التالية بواسطة جروح أصغر مساحة على وجهها. ويحدث نفس الشىء عندما يتم اغتصاب صبى. ويسجل مدير الملجأ، وهو يدير الإسعافات الأولية فى مركز استقبال الرعاية اليومية المزدحم بالسيدة زينب، أن هذا النوع من العنف هو الأكثر شيوعا بين ما يتعاملون معه، حتى إنه يتم تسجيله أكثر من مرة يوميا. وقد أجريت لفتاة كانت تسعى للالتحاق بالملجأ خياطة 16 غرزة لجروح فى ظهرها، نتجت عن محاولتها الهرب من مهاجميها لإنقاذ وجهها.

•••

وفى جميع قصص الفتيات التى تعاملنا معها، كان مجرد كونها فتاة يجعلها إما عرضة للمعاملة بعنف فى المنزل، والتسرب من التعليم للمساعدة فى أعمال المنزل، أو أن تصبح مسئولة عن العناية بإخواتها، أو الاغتصاب فى الشوارع بسبب انعدام وسائل حماية نفسها، أو تحمل عبء ما يترتب على الاغتصاب، حيث تصبح مسئولة عن طفل، بينما هى نفسها مازالت طفلة، وتحمل عار كونها أما غير متزوجة.

وربما لا يكون هناك ما هو أكثر تعبيرا عن العنف الذى عانت منه فتيات الشوارع، أكثر من مشاهدتهن يقفزن من فراشهن إلى ركن الغرفة ليجثمن على أطفالهن عند فتح الباب من قبل أحد الإخصائيين الاجتماعيين. ويصعب التعامل مع هذا ومع ارتعاد الأطفال من أى حركة مفاجئة أو سريعة، حتى بالنسبة للإخصائيين الاجتماعيين الذين يعرفون قصص الفتيات ويشاهدون ذلك يتكرر فى كل مرة. وتهدف قرية الأمل إلى مساعدة هؤلاء الأطفال على النوم بعينين مغمضتين.