أحفاد الشوارع… يزحفون في ظلال الصدقة

لم أكن رأيت ريم من قبل. وكنت قد سمعت عنها عندما حدثتنى شيماء عن أسماء غريبة لبعض الأطفال، وكيف يطلق عليهم الملجأ أسماء أخرى. وكان اسم الطفلة ريم ذات السنوات الخمس، «أم حامد» فى شهادة ميلادها. وراقبتنى ريم بعيون تشع ذكاء. وقد تدربت، لأنها عاشت فى الشارع طوال سنواتها الخمس، على ملاحظة الغرباء وتحديد ــ خلال دقائق قليلة ــ ما إذا كانوا يمثلون خطرا أو لا يضمرون أذى. وهى موهبة يتمتع بها معظم أطفال الشوارع الذين قد تقابلهم.

وقد شاهدتنى وأنا ألعب مع الأخريات، وتابعت بعضهن يأتى ليعانقنى وأعانقه. ورأيتها بطرف عينى، وهى تستمع باهتمام إلى تعليقاتى، وهن يحكين لى ما حدث فى الملجأ خلال الصباح، وعن آخر رسوماتهن، وكيف تعرضت سالى للعقاب لأنها أهانت إحدى «أخواتها»، وعندما تأكدت أننى لا أمثل تهديدا، سارت نحوى مترددة. حملتها وأثنيت على ملابسها وسألتها عن اسمها. فقالت »أنا ريم». قلت «آه.. ريم، سمعت كثيرا عنك، أخبرتنى ماما شيماء وماما ناهد كيف افتقدتاك، وظلتا تتحدثان عن جمالك وأدبك». وكان رد فعلها مؤثرا. فألقت بذراعيها الصغيرتين حول عنقى وقفزت لتجلس على ركبتى. ولاحظت لأول وهلة أن لديها قمل فى شعرها، وكنت خجلة من نفسى لأننى ابتعدت قليلا حتى لاتزحف الحشرات إلى شعرى. وفى مثل هذه اللحظات أود أن أذكرك، أيها القارئ، بالإعجاز والتفانى الذى يتسم به هؤلاء الذين كرسوا حياتهم لأطفال الشوارع، واختاروا العمل معهم بشكل يومى، وينتقل إليهم فى كثير من الأحيان القمل، والطفح الجلدى، والالتهابات والعدوى من الأطفال، ولا يخجلون من معانقتهم، ورعايتهم، وتقبلهم. و لهؤلاء الناس ارفع القبعة بكل إحترام لأنهم يعرضون حياتهم للخطر بشكل يومي و هم يدافعون عن أطفال الشوارع الذين هم في الأصل مصدر دخل من الشحادة و الدعارة لبلطجية و زعماء دوائر شحادة او دعارة في الشوارع.

ويدور هذا الموضوع عن أبناء أولئك الأطفال فى الشوارع جيل جديد أكثر تهميشا من الأطفال الذين أنجبوهم. ولأنهم لا يندرجون تحت التصنيفات التقليدية لـ«الأيتام»، فهم إما يباعون، أو يقتلون، أو يستخدمون للتسول، أو إذا كانوا محظوظين للغاية يتركون فى الملجأ، الذى يتعلم، من خلال التجربة والخطأ، التكيف مع حاجات أطفال الشوارع بسبب عدم وجود مثال يمكن اتباعه.

في أغلب الأحيان يضطر الإِنسان أن يكتم صوت صريخ ضميره عندما يسمع هذه القصص بأنه يشير بأصبع الإِتهام على أطفال الشوارع و يتهمهم بالإِهمال كأنهم كانوا أصحاب القرار أن يحملوا و هم في هذا الوضع من المعيشة و يقولوا “كيف لهم أن يفعلوا هذا؟ الا يروا مدَى سوء وضعهم الحالي الذي سيولد فيه الطفل؟”  لكن ردّي على من يخطر بباله ذلك السؤال و على من لا يصل إلى أن يفكر في هذه الأشياء من الأساس أن اسألهم “و كيف لهم أن يروا؟ هؤلاء أطفال يعيشون في الملاجئ بعدما إغتصبهم والديهم أو بعدما تحرش بهم و إغتصبهم أزواج أمهاتهم أو إخواتهم أو من يعملون عنده.  أطفال تعاني من مشاكل نفسية و ذهنية، أطفال إغتصبهم من كان الأصح منه أن يرعاهم. هذه الأمثلة التي في الأرجح سببت لك الإِستياء موجودة لكن الإِغتصاب من قبل الأهالي أو في المؤسسات أو من الشرطة لا يعبر في حديثنا اليومي كأنه سر أكبر من كل الأسرار، لكن صدقني، عزيزي القارئ، أن الفتاة التي تحمل في الحالات المذكورة مسبقاً وضعها و حظها أفضل من غيرها فالإِغتصاب الذي يحدث في الشوارع ضرره و خطورته و ألمه اكبر بكثير.

وهناك ثقافة معينة للاغتصاب فى شوارع القاهرة، لم أكتشفها إلا عندما بدأت بحثى عن العنف الذى تعرضت له هؤلاء الفتيات. فبمجرد أن تغتصب فتاة الشارع للمرة الأولى، وإذا اتضح أنها عذراء، يجرح وجهها من تحت العين أو فوق مؤخرتها. وقد تم عمل 16 غرزة لإحدى الفتيات التى كانت تبحث عن مأوى فى الملجأ، بعد تعرضها لمثل هذا الاغتصاب. وهى إشارة إلى أن الرجال الذين اغتصبوها للمرة الأولى «علموا عليها» و«حطموها»! وينجم عن عمليات الاغتصاب التالية ندبة رأسية على جانب الوجه.  معاناة بنات الشوارع لا تنتهي عند تعرضهم للإغتصاب فالعلامات التي تنحت عليهم و الحمل ليسا إلا شيئين من أشياء أخرَى كثيرة بشعة سيواجهونها. إذا إستطاعت البنت ان تصل إلى ملجأ فمن الممكن أن تلقَى رعاية ما قبل الولادة في العيادة التابعة للملجأ لأنها لو لجأت للمستشفيات العادية فإِنها تتعرض للإِهانة و المعاملة القاسية من الموظفين الذين يسبوها و يعتدوا عليها اكثر.

ومن أكبر الإنجازات التى تفخر بها «قرية الأمل»، الدعوة الناجحة لتغيير قانون الطفل فى عام 2008 فيما يتعلق بالأطفال الذين يولدون لأمهات من آباء غير معروفين. فقبل عام 2008، كان الطفل المولود لفتاة الشارع، يبعد عنها، ويسجل تحت تسمية «مجهول الأبوين»، ويفصل عن الأم التى توصم بعد ذلك بالداعرة وتحبس فى مؤسسة إصلاحية بناء على هذا الاتهام، ولا يلتئم شمل الأم وطفلها مرة أخرى. وبعد حملة واسعة وبذل الكثير من الجهد، تم تغيير هذا القانون، وقرية الأمل الآن قادرة على مساعدة أمهات الشوارع الصغيرات على تسجيل أطفالهن باسم « مجهول الأب»، وتقديم المأوى للأم الطفلة وطفلها حتى تستطيع العيش بصورة مستقلة.

وبعد زيارتى الأولى إلى الملجأ قبل بضعة أشهر، سألت نفسى كيف يمكن لهؤلاء الفتيات الصغيرات ذوات البطون الكبيرة التعامل مع حالة الأمومة، هؤلاء الفتيات اللاتى هربن فى كثير من الأحيان إلى الشارع بعد اعتداء عنيف بدنى وجنسى، ارتكبه الأب أو زوج الأم. وهناك تاريخ لكل من هؤلاء الفتيات حيث تمثل كل منهن قصة رعب فى حد ذاتها، فكيف بعدما إغتصبها من قبل والديها ستتعامل “سميرة” التي تبلغ من العمر ١٢ عام  مع تلك هذه المسؤلية التي هربت بعد يومين من عملية قيصرية، وكيف سيكون التعامل بين “مايا” و بنتها “سمر” بعد ما تعرضت “مايا” لخلع ملابسها و ضربها و تركها على سطح المنزل مغطأة بالعسل من قبل والدها! كيف ستستطيع شوشو” التي تبلغ من العمر ١٤ عاماً أن تستيقظ كل يوم لتطعم طفلها الذي يبلغ من العمرشهرين عندما يجوع بعدما حرقوا عينيها في موقف من مواقف العنف الكثيرة التي واجهتهم من أهلها لكونها معاقة؟”

وبعد شهرين، جلست فى جلسة علاج جماعى، وشاهدت هدير (14 عاما) تلقم ثديها لوليدها الجديد فى حنان لم أره من قبل ولم أقرأ أو أسمع عن مثيله أبدا. ورحلت ذلك اليوم وأنا أشعر بالألم من ظلم هذا العالم الذى نعيش فيه وأدعو سامع الدعاء ألا يتخلى عن هؤلاء الصغيرات، وأن يمنح أطفالهن الفرصة التى لم تتح للأمهات. غير أن الواقع يختلف كثيرا عن ذلك الدعاء. فلا يقيم فى الملجأ و«يتخرج» منه سوى 20 فى المائة من أطفال الشوارع. وتعود الأخريات إلى الشارع خشية هذه المسئولية الكبيرة، التى اضطررن إلى تحملها.

وحتى الفتيات اللاتى تعلقن بأطفالهن، غالبا ما لا يستطعن البقاء. ومن أكثر الأمثلة التى تمزق القلب الطفلة منال ذات الثلاثة عشر عاما وتعانى من فصام عقلى، التى أنجبت الطفلة هند. وتعتبر منال أفضل طفلة أم على الرغم من أنها تترك ابنتها فى الملجأ. فقد تعرضت للاغتصاب من صبى فى منطقة ريفية بمصر، وأمضت شهور حملها فى الملجأ. وقد ظنت أنها إذا أخذت طفلتها معها، سوف تحرك العينان الصغيرتان اللامعتان مشاعر أبويها ليتوليا رعاية طفلتها الصغيرة. وبعد يومين، تم استدعاء الإخصائية النفسية إثر استغاثة من منال لإنقاذ هند من حبسها فى مزرعة الدجاج، فى محاولة من الوالدين لإخفاء ما اعتبروه العار الذى لحق بالعائلة. واستقلت شيماء الرائعة حافلة لمدة تسع ساعات، ثم حملت على صدرها الطفلة الصغيرة طوال تسع ساعات للعودة. وتحضر منال كل شهر لتمضى يومين مع هند. وهى تعمل بقية الأيام الأخرى لشراء الطعام والملابس لها. وانا أتحدى من يرى صراعها النفسى كى تغادر فى نهاية اليومين، أن يستطيع النوم فى تلك الليلة.

ويبدو أن حياة هؤلاء الأطفال لا تفتقر فقط إلى التمويل بعد الثورة ولكن إلى الاهتمام والوعى المجتمعيين. وهناك أمل فى نجاة أحفاد الشارع من الاغتصاب والجوع، والعنف إذا كنا، كمجتمع مسئول عن ظروفهم، نشعر بالغضب من عدم وجود قوانين تطبق لحماية هؤلاء الأطفال. وأنا أريد منك أيها القارئ، أن تغضب لعدم وجود قانون يسمح بأخذ الطفلة جودى ذات السنوات الأربع من أم الشارع التى أخرجتها من الملجأ لتتسول بها، بعد أن أحدثت فى رأسها قطعا من شأنه أن يكسبها نجاحا أكبر فى نيل تعاطف المارة. وعندما تمر أيها القارئ بجودى وآلاف من أمثالها فى الشارع، ولا تشعر بالغضب معنا، فعليك أن تدرك أننا جميعا السبب. فلتساند حملتنا لحماية هؤلاء الأطفال بحيث لا نواصل تحويلهم، مع جميع الأقليات الأخرى فى بلادنا، إلى السكان الأصليين فى مصر.

ولكن الآن، عودة إلى ريم ذات السنوات الأربع، فبعد أن تسلقت إلى حضنى واستسلمت لعناقها، واختلط شعرها الموبوء بالقمل بشعرى المغسول، وعندما تذكرت بارتياح أن لدى شامبو للقمل من لندن يحقق نتيجة خلال عشر دقائق، قلت للطلفة الصغيرة أننى كنت أنتظر لقائها، وقد سمعت أنها كانت بالخارج فى زيارة عائلية. فنظرت إلى بجدية بعينيها المستديرتين اللامعتين، وقالت: «أكره الزيارات العائلية، لقد اوقعت هبة الكوب، فربطنا والدى نحن الاثنتين معا، وضربني بالحزام هنا (و أشارت على ظهرها و العلامات الكثيرة التي تملأه) وتوقف عن ضربى عندما بللت نفسى. عندما أكبر سأصبح شرطية. وسوف أقتل أبى”.

thank you to Ahmed AboElhassan (from Tahrir Supplies) and Gameel Mattar (from Al Shorook News) for helping with the translation

أطفال الشوارع.. غشاء البكارة ووصمة العار

This post was originally published in Shorouk News http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=19092012&id=7c6f14dd-f517-47bd-87f3-d19da4aba994

جلست أهدهد الطفلة سمر وأهمس لها عن أسفى، وحملتها وهى فى وضع الوقوف، بحيث تضع رأسها على صدرى، بينما أحتضن جسدها بالكامل. وكانت الهدهدة والعناق تهدئة لى شخصيا. وعندما انسابت دموعى على وجهها، بدأت تبتسم للشعور العجيب الذى أحست به عندما لامست قطرات الدموع بشرتها. وعلى الرغم من حرقة الغضب والخوف والشفقة التى نبعت منها هذه الدموع، إلا أنه ما كان لها أن تسقط على وجنتيها، بعد قسوة الدم الذى كان يغطى جسدها بالكامل قبل لحظات قليلة.

كان ذلك إنجازا ضخما للطفلة سمر التى تتلقى علاجا طبيعيا، وصار من الصعب عليها الوقوف أو الإمساك بالأشياء، بسبب نقص الكالسيوم وهشاشة العظام. وابتسمت الطفلة التى لم تكن قد أكملت عامها الأول، وهى تنظر فى عينى مباشرة. فحطمت ابتسامتها قلبى، وظللت أهمس لها كم أنا آسفة، آسفة بصدق لأننى لم أستطع إنقاذها. وظللت أكرر هذا للطفلة التى تبتسم الآن، غير مدركة أن أمها وهى لا تزال طفلة أيضا كانت تجمع ملابسهما المستعملة البالية، وسوف تقضيان الليل فى الشارع؛ وأنها إن لم تستطع أن تضعها فى الملجأ، فسوف تستخدمها فى التسول.

●●●

عرفت اليوم أننى أشجع مما كنت أعتقد، وأكثر جبنا مما كنت اعتقد. ولا شك أن تفاصيل الحياة اليومية كما نعيشها، تحد من القدرة على اكتشاف الذات. ولن تكتشف نفسك حقا إلا عندما تغوص فى عمق ظلمات الطبيعة البشرية، وعندما تتعرض إلى المشاعر المجردة للقسوة الإنسانية والألم والخوف. وقد عملت لفترة مع أطفال الشوارع. وسوف تلاحظون أننى لم أكتب عن الأطفال، حتى على مدونتى، التى صارت شخصية للغاية، وصرت أنا حانقة جدا على الكتابة بسبب مدى ما قد يبدو فيها من حساسية غير مقصودة. أريد أن أحمى الأطفال الذين نشأت على حبهم، كما أحمى قصصهم من تحويلها إلى مجرد كلمات. فمهما كانت درجة مهارتك، ومهما امتلكت من تميز فى حرفة الكتابة، لا يمكنك أن تصور بإنصاف ظلم الحياة والبشر لهؤلاء الأطفال.

لكننى أود أن أكتب الآن؛ ليس لأننى اكتسبت المزيد من مهارات الكتابة بين عشية وضحاها، وليس لمجرد أن هناك اهتماما مجتمعيا ودرسا مستفادا من هذه الحادثة التى سأكتب عنها، ولكن لأننى لم أتمكن من التوقف عن البكاء، ولم أستطع النوم، ولأننى أنانية، كبقية البشر، فأنا بحاجة إلى الهرب. وليس من قبيل الكذب أو المبالغة أن أقول لك، أيها القارئ، أننى أغمس القلم فى قلبى، ودمى هو الحبر الذى يكتب هذا الموضوع.

●●●

لقد كان الجو فى الملجأ مختلفا اليوم. فكلما ذهبت إلى هناك، كلما بدت الأمور أكثر طبيعية، وتراجع تمثيل دور «الأسرة السعيدة». وكانت الجدران تنضح بإحساس «المؤسسة»، بقاء الأصلح.

انتحت بى شيماء الإخصائية النفسية للملجأ التى تعمل مع فتيات الشوارع لأكثر من ست سنوات جانبا؛ وطلبت منى عدم اعطاء شوشو سماعات الرأس التى طلبتها لأنها تستمع كل ليلة إلى «الإم بى ثرى» ولا تسمع صرخات طفلتها البالغة من العمر شهرين، ولا تتولى إطعامها. وأنا أدرك ما وراء ما يقال، وأتساءل كم فتاة لديها بعكس شوشو إمكانية الاستماع إلى الموسيقى متى، وكيفما أرادت، بمنتهى الارتياح والأمان، أو كم فتاة لا تتعرض للنظر شذرا من الأهل الذين يسيئون إليها لكونها طفلة معاقة تعانى من الشلل الرعاش، أو لا تضطر لبيع جسدها فى الشارع من أجل حفظ الرمق. وكان يمكن أن يكون هذا بذاته موضوع مدونة. إلا أن شيماء قالت لى انها تشعر بالقلق على سلامة ليلى. وكانت ليلى العذراء الوحيدة فى الملجأ.

●●●

عادة، ما يتم فصل الفتيات العذراوات عن أمهات الشوارع. حيث تحتجز العذراوات فى ملجأ البنات بمدينة العاشر من رمضان، بينما يعيش الأمهات الصغيرات وأطفالهن فى المقطم. وقبل أن أعمل مع الأطفال، شعرت بالرعب من هذا الفصل، وأدنت المنظمة غير الحكومية على ذلك، وانضممت إلى اجتماع لحقوق الإنسان، حيث أعربنا عن الاستهجان، وهززنا رءوسنا مشيرين بأصابع الاتهام إلى رؤساء المنظمة غير الحكومية الذين اتخذوا هذا القرار. واليوم، عدت إلى البيت وأنا مدركة لماذا كان لابد من اتخاذ هذا القرار، وأنه كان علينا أن نبدأ فى مكان آخر. كان يجب أن نبدأ مع المجتمع حتى يصبح من الممكن إبقاء الفتيات معا بصورة آمنة. أدركت اليوم إلى أى مدى كان مجتمعنا مريضا. فنحن مجتمع منافق، يهتم باليد التى يتعين أن نعلم أطفالنا أن يتناولوا الطعام بها، حتى لا يشاركهم الشيطان فى طعامهم، مجتمع يبرز بشاعة أن يمر أحدهم من الباب بالقدم اليسرى، بينما ننسى الأطفال الذين يتناولون الطعام باليد اليمنى من صناديق القمامة، ونغض الطرف عن الأطفال الذين يداس فوقهم بالقدمين. وباسم التدين، يدين الناس غشاء البكارة الذى تم فضه، بغض النظر عن ظروف ذلك، وتحمل الفتاة هذا العبء إلى قبرها.

قالت لى شيماء إنها تخشى أن تتعرض ليلى لهجوم هذه الليلة من قبل الفتيات اللاتى يتآمرن لفض غشاء بكارتها. ومن المقرر أن تتزوج ليلى خلال شهور قليلة. وفى مجتمع يحكم على صلاحية الفتاة لتكون زوجة وأم على أساس سلامة غشاء البكارة؛ من شأن ذلك أن يمثل كارثة لليلى، التى سيرفضها خطيبها، وسوف يحكم عليها بالعيش حياة تختلف عما كانت تريده. فغشاء البكارة غير السليم حتى لو تم فضه على يد فتيات أخريات، قررن أن يبحثن عن الإنصاف عبر تدمير شيء ثمين لدى فتاة لم تتعرض لما تعرضن له وصمة عار للفتاة فى مجتمع، يخدع نفسه عندما يظن أنه تقى وطيب ورحيم.

●●●

فى الجلسة الجماعية اليوم، كانت الأمور مختلفة. فلم نطلب من أى من الفتيات أن تعبر عما تحسه. وبدلا من ذلك، عندما جلسنا فى الدائرة التى نجلس فيها دائما، طلبنا من كل من الفتيات أن تشرح الاختلاف الذى حدث فى الملجأ خلال الأيام الأربعة الأخيرة. فقالت كل فتاة إن ليلى تسبب لها إزعاجا! وعندما سئلن كيف؟ ولماذا، لم تقدم أى منهن إجابة دقيقة،ولم تستطع أى منهن أن تضع إصبعها على الإجابة. فقالت سارة «ليلى مهووسة بالنظافة، لا تستطيع أن ترى شيئا غير نظيف وتغلق فمها، ولكن هل تعتقد أنها تستطيع أن تذكرنا بالتنظيف، لمجرد أنها عذراء وأفضل منا؟» وقالت رانيا، وهى حامل: «أستطيع أن أدفع خمسمائة جنيه وأعود إليكم غدا بكرا وأفضل من ليلى». وقالت مها: «ليلى تزعجنى، لا أعرف لماذا، إنها فقط تضايقنى، ولا أريدها أن تتحدث معى». ومها، التى وصلت مؤخرا للملجأ، أقامت فى العديد من مؤسسات الرعاية منذ كان عمرها خمس سنوات. وقد تبين فى النهاية، أنها صاحبة فكرة الهجوم على ليلى. وقد صدمنى ذلك، لأنها تبدو الأكثر هدوءا، ولطفا بين الكثيرات!

وتكرر نفس الحديث عن ليلى حتى وصلنا إلى مايا. وخلال الفترة التى أمضيتها فى الملجأ، لاحظت أن مايا، تتحدث بنبرتين للصوت؛ تستخدم إحداهما عندما تريد شيئا وتحاول أن تبدو أنثى، وتستخدم النبرة الأخرى عندما تكون فى حالة دفاعية، حيث تتصرف بلغة الجسد على نحو يشبه حيوانا جريحا. وكانت تستخدم هذا الصوت الآن. ولم تكن تلك دلالة طيبة. قالت: «أكره ليلى. إنها أحسن منى، أعلم أنها أحسن منى وأنا أكرهها.» وقالت لها شيماء أنها أعجبت بأمانتها ولكن علينا أن نتعامل مع ذلك ونكتشف من أين يأتى ذلك الشعور، وما الذى يجعلها تشعر أن ليلى أحسن منها. ولم تتلق إجابة، لذلك قالت: « تحدثتن جميعا حتى الآن، ولا أشعر أن هناك سببا سليما لتكونوا عصابة ضد ليلى».

●●●

عند هذا الحد، وقفت مايا مشيرة بإصبعها بين عينى شيماء قائلة لها «لست بحاجة إلى عصابة تساعدنى فى التعامل مع ليلى، وسوف أحطمها حتى تصبح مثلنا، فهى ليست أفضل منى، وسوف أريكم ما هى المؤسسات الحقيقية. وسأفعل ذلك وحدى، ولا أحتاج إلى مساعدة أحد، يمكنك وضعها فى زنزانة مغلقة، وسأحطمها». وعند ذلك، انطلقت خارج الدائرة، وجذبت الطفلة سمر بذراع واحدة ودفعتها نحو الحائط، بينما انطلقت لتمزق الستار الذى يفصل بين منطقة المعيشة المتواضعة وغرف النوم. وقفت شيماء وطلبت من جميع الفتيات الجلوس فى الجانب الآخر من الغرفة. والتزمن جميعا، من دون نطق كلمة واحدة. كنا جميعا حزانى ولكن لا يبدو القلق على أحد. وبقيت فى مكانى فى مواجهة تلك الستارة. وأنا عادة أتصرف جيدا فى حالات الطوارئ. وكانت مايا متعلقة بى، وقد اعتدت تشجيعها على ان تتصرف بشكل جيد، وجلست أتضرع أن تدعمنى هذه الصداقة فى مساعدتها. خرجت من حجرة النوم وبيديها شىء فكت لفافته وألقته على الأرض، فاستطعنا أن نرى ما كانت تغطيه قبل ثوان: مطواة. وعندما جذبت الطفلة سمر من الأرض، وقفت لآخذ الطفلة، لكن شيماء منعتنى، قائلة أن مايا قد تؤذى الطفلة إذا أوليناها اهتماما. وخبطت شيماء على باب المرحاض قائلة لها إنها تستطيع أن تؤذى نفسها ولكن لا تؤذى الطفلة. وعندما انطلقت مايا خارجة من الحمام، حاولنا جميعا انتزاع المطواة من يدها، وظللت أقول «لأجل خاطرى يا مايا، لأجل خاطرى، نحن جميعا نحبك». كان واضحا، من الطريقة التى تدلى بها جفناها إنها لا تسمعنا.

وتم استدعاء مدير الملجأ. وعادت مايا إلى حجرتها وهى تلوح بالمطواة فى الهواء، وكان الدم يقطر منها أثناء سيرها من الحمام إلى حجرة النوم، ومالت على الجدار لتغطيه بالدماء. وبمجرد دخول مدير الملجأ، خلعت ملابسها حتى يغادر المكان! فخرج انتظارا لأن تغطى جسمها بشيء. قلت له اننا نريد إخراج الطفلة من هناك. فدخلت شيماء، ودخلت وراءها، وما أن رأتنا حتى أخذت الطفلة وأطاحت بها فى الحجرة، فسقطت على الأرض، والدم يغطى وجهها وجسدها. فجذبت أنا الطفلة، وما إن التقطتها حتى توجهت مايا نحوى، فجثوت فوق سمر عند الركن. وصرخت شيماء تنادى سامى للدخول، وكانت مايا قد جرحت لتوها ذراع شيماء بالمطواة. وأعتقد أنه أنقذنا عندما اقتحم المكان وصفع مايا. وأخذت الطفلة وأسرعت خارجة، زحفا على الأرض تقريبا. ولكن، ما إن عبرت تلك الستائر عائدة إلى حجرة المعيشة، حتى تجمدت!. فقد انتزعت منها سمر، والدم يقطر منها، وعجزت عن الحركة.

●●●

وجاءت إلى طفلة أصغر وقالت لى: «علينا أن نعالجها، تعالى إلى الحمام». تبعت تلك الإنسانة الصغيرة، التى بدت أكثر شجاعة، وأكثر خبرة منى، فأمسكت ببراعة الطفلة فوق البلاعة وقامت بتنظيفها، ثم أخبرتنى عن مكان المطهر، وذهبت لأحضره، ثم غطينا الطفلة به. وقمنا بإلباسها ملابسها، ثم جلست معها فى مقعدى، حيث تستطيع مايا أن ترى طفلتها، بينما تغدو وتجىء. وأستطيع أن أقول إنها كانت حزينة من أجل سمر. وكانت تريد أن تتأكد من أنها بخير. وكنت سأطمئنها. وكانت سارة تجلس إلى جانبى. فقالت: «يذكرنى هذا بأيام المؤسسة. ولكن هذه أفضل كثيرا، ففى المؤسسة، كانت اربع بنات يقطعن أنفسهن كل ليلة. فلا يمكنهن أن تحصلن على مساعدة كما تفعلون هنا، ولا يوجد سوى الفتيات بعد الرابعة مساء، لا يوجد إشراف بعد ذلك الوقت، لذلك تنتظر الفتيات إلى أن نصبح جميعا وحدنا. عليكن ألا تحاولن تعلم ذلك. إنهن لا يشعرن بالألم إطلاقا، فهو مثل المرض المزمن. ما هو تاريخ اليوم؟ العاشر من سبتمبر؟ إنه يوم أسود، فقد ولدت أمى فى نفس اليوم.»

وطلبت شيماء من سارة المساعدة. فقامت سارة من دون أن تنبس ببنت شفة، وخلال ثوان كانت قد أمسكت بمايا فى مواجهة الحائط. إنها ماهرة، سريعة للغاية، فعالة للغاية. كان واضحا أن هؤلاء الطفلات صارعن من أجل البقاء. احتجزن مايا فى مواجهة الحائط، بينما يفرغن جيوبها للتأكد من أنها لا تخفى شيئا آخر، تستطيع أن تؤذى نفسها به. وعندما صارت عارية إلا من حمالة الصدر والبنطلون، كانت الندوب واضحة حول بطنها. وبينما هى تستحلفهن قائلة لهن ألا يضيعن وقتهن معها، وأن يذهبن إلى العذراء التى يحببنها جميعها، ظلت شيماء تربت على رأسها، وتقول لها إنها تحبها، وإنها تهتم بها، وإنها لن تتركها، حتى تنظف جروحها وتضمدها.

وبقيت مايا حتى ساعدنها، لكنها شعرت أن عليها أن تواصل الطريق الذى بدأته، وجمعت أغراضها لتغادر. فلا يوجد قانون فى مصر يمكن أن يساعدنا فى منع مايا من أخذ طفلتها ومغادرة الملجأ. وتعنى قوانين حماية الطفل فى مصر إن تسمع شيماء جارتها تكهرب ابنها كل ليلة، ولا تجد شيئا تفعله لمساعدته! وجاءت مايا إليَّ وهى ترتعش قائلة إنها تأسف لأننى شهدت ذلك، وقالت «لقد جئت إلى هنا لتكتشفى من نحن، لن تكتشفى شيئا فى محادثاتك ولقاءاتك الغبية تلك، هذا نحن، هذه حياتنا، هذه هى القصة الحقيقية» وعانقتنى. وعلى الرغم من قدرتى على التعبير بوضوح، كما يعتقد الكثيرون، لم أستطع التلفظ بشىء، سوى «من فضلك، لا تؤذى سمر»

●●●

جلسنا فى صالة الاستقبال بالطابق الأسفل نشهد مغادرة مايا. كانت قد عاشت فى ملجأ سنوات عديدة. وكانوا جميعا موقنين أنها ستعود، لقد فعلت ذلك من قبل! وكان الجميع منهكين. جلست فى خوف على شيماء، وذراعها الآن فى الضمادة.، وجلس سامى الذى كان قد عانق مايا بعدما ضربها، يبرر لماذا اضطر لصفعها على وجهها، خشية أن يدفعنى عدم تسامحى مع معاملة الفتيات بعنف إلى إدانته. بينما جلس ماهر، المدير، الذى كنا قد استدعيناه، يدخن، وهو يعد للجلسة التى سيعقدها مع الفتيات للتأكد من أن ليلى ستكون فى أمان هذه الليلة. لم نكن قد استوعبنا شيئا مما حدث. قلت: « أين جودى، وميرنا، ومنة؟ كنت هنا عندما جاءت والدتهن لتأخذهن قبل ثلاثة أسابيع من أجل زيارة عائلية فى العيد، لماذا لم يعدن؟».. كان قلقى الكبير على جودى ذات الأعوام الأربعة التى تعانى من فيروس سى فى الكبد، وظهر ورم مؤخرا فى رأسها. أجابت شيماء: «زيارة عائلية؟ هممم. عندما يتوقفن عن كسب المال من التسول، سوف تضجر وتعيدهن ثانية».