قتل «عمر» برصاص اخترق القلب.. وهل لأطفال الشوارع قلوب مثلنا؟

484758_10152843149550231_671424420_n

This post was originally posted in Al Masry Al Youm and has been beautifully translated by my dedicate friend Mohammed Esmat Farag

يعرف كثير جدا من الأطفال الذين في الشوارع تماما ماذا تريد أن تسمع منهم. فهم يتفحصونك، ويقيمون شخصيتك، وفي دقائق يكونون قد جهزوا لك القصة التي من أجلها أتيت إليهم. إنهم يجب أن يكونوا بهذا الذكاء، لأن هذا ما يعتمد عليه بقاؤهم.

أتذكر حديثي مع إحدى الصحفيات التي ذكرت لي دهشتها من الطفلة التي أخبرتها بأنها انضمت للاحتجاجات في يناير 2011بسبب اهتمامها بالبلاد، ولأنها أرادت أن تحدث تغييرا سياسيا واجتماعيا – أعرف جيدا هذه الطفلة التي كانت تتحدث عنها – ولكن الطفلة لم تتمكن من الحديث حول «التغيير السياسي» الذي ذكرته، لأنها ببساطة لم تكن تعرف ماذا تعني هذه الكلمة.

لقد عملت على أن أتعرف على البنات على مدار شهور طويلة، لا من خلال زيارات أو مقابلات «النصف ساعة» الرسمية، لكنني عملت على التعرف عليهن بحق، بتصفيقي لهن عندما كن يرقصن، بتعاطفي معهن حينما كن يتحدثن في جلسات العلاج الجماعي، بضحكي معهن لسماع قصصهن عن الشارع، بتنظيفي لجروحهن بعد أن يؤذين أنفسهن لأي سبب. ولأني عشت هذه القصص شعرت بأنني يمكنني أن أسأل «تغريد»، إحدى البنات اللاتي في الشارع، عن السبب الحقيقي لوجود هؤلاء الأطفال هناك في الميادين.

وعلى هذا بدأنا نلعب أدوارنا في المقابلة: «تغريد» تمسك في فرحة بمسجل صوت إم-بي-ثري بيد واحدة وتتفحصه، وهي تشعر بالدهشة أنها في خلال لحظة واحدة سيكون بوسعها أن تسمع أفكارها (طلبت مني أن أشتري لها مسجل صوت إم-بي-ثري حتى تتمكن من الحديث إلى نفسها فيه، لأنها رغبت في تدوين يوميات لنفسها، لكنها لا تقرأ ولا تكتب)، وأخذت أنا الأخرى دوري في المقابلة، حاملة طفلها الجميل ذا الأربعة أشهر، والذي لم يعرف سوى الابتسام طوال الوقت.

حينما أسرد قصص بنات الشوارع يعلق كثير من الناس بأنني يجب أن أكون قوية حتى أعيش هذه القصص وأسمعها. كلما سمعت هذا أستحضر ذلك الألم الذي تحدثه ابتسامات المواليد الصغار بقلبي.. لا شيء يؤلمني مثل الابتسامات. هذه الانحناءات الصغيرة على الشفاه، هي المظهر العظيم الدال على حقيقة: كم نحن متساوون، وكم هي متشابهة بداياتنا جميعا بشكل عظيم، وكم هي ثمينة بشكل غير عادي بعض الابتسامات عند آخرين؛ لأن الحياة صممت لتكسرهم، ولتعطيهم لا شيء.. مزيدا عن ذلك.. ليبتسموا من أجله.

وأسمع «تغريد» وهي تحكي لي عن الثورة وعن الانتقال الذي قام به الأطفال الذين كانوا يبيتون في ميدان رمسيس إلى ميدان التحرير. إنها تتحدث عنه على أنه هجرة، وكأنما هذه المساحات الخضراء من الأرض، أو التي يفترض أن تكون خضراء، تمثل مدينة قائمة بذاتها، مدينة بمواطنيها الأطفال، هؤلاء الصغار الذين هم بلا بطاقة هوية، وبلا مأوى، وبلا الأسر التي أنجبتهم، وبلا حماية.

تخبرني «تغريد» بأن أحد الأطفال جاء راكضًا إليهم في مدينة «ميدان رمسيس» العظمى قائلا لهم إن هناك ملايين الناس في التحرير. وحينها قرر اثنان «زوج وزوجة» من أصدقائها (وهما طفلان في سن الرابعة عشرة، ويختلف الزواج وتكوين أسرة في أطفال الشوارع عما نعرفه نحن) أن الأفضل هو الانضمام إلى هناك، حتى لا تفوتهما الفرصة العظيمة لسرقة الهواتف المحمولة. تضحك كثيرا جدا وهي تخبرني بذلك وهي تقول: «ماذا كان سيكون رد فعل الصحفيين لو علموا السبب الحقيقي لوجود بعض الأطفال هناك!».

لكنها تستطرد لتقول: «ليس كل الأطفال كانوا هناك من أجل السرقة! لقد كانوا هناك أيضا لأنها تجربة شيقة لهم! وذلك لأن الناس كانوا يقولون لنا دوما إن الشارع شيء سيئ، وأننا يجب أن نترك الشارع، ولكن فجأة كل واحد كان هناك، كل واحد في البلد كان في (التحرير)، ولهذا انتقلنا إلى هناك من (رمسيس). كان الناس هناك يتحدثون إلينا، يطعموننا، ويمزحون معنا، ولدرجة أن بعضهم حاول أن يعلمنا القراءة والكتابة، بل إننا حتى كنا ننام بجوار كل هؤلاء الناس أصحاب الرائحة الجميلة. وقد ساعدناهم نحن أيضا، فقد كنا ندلهم من أين يشترون أرخص الطعام حينما نفد الطعام منهم، وعلمناهم أفضل الطرق للهروب من البوليس، وهذا لأن أحب لعبة إلينا هي الأتاري». وحينها رأت علامات الاستفسار على وجهي، أوضحت: «عربات الشرطة»، نحن نسميها «أتاري» وطوال اليوم نلعب بالجري والاختفاء منهم، لكننا نعلم جميعا أن الشرطة التى في «التحرير» مختلفة، فهي لا تضيغ الوقت جريا وراءك، لكنها بدلا من ذلك تقتلك بالرصاص.

لقد كانت كل قصصها وتحليلاتها حول الأسباب التي دفعت الأطفال إلى المكان الذي دار فيه الحدث كله غير مريبة. جميع الأسباب، حتى سرقة الهواتف المحمولة، كان يمكنني تفهمها، وأمكنني تفهم ذلك لأنني بدأت أتعرف على الأطفال أكثر. لكن، بعد مرور عامين،صارت إجابات الأطفال عن السؤال: «لماذا كانوا هناك بالتحرير» مريبة وتصيبني بقلق حقيقي. فقد كان الأطفال يتحدثون إلى زميلي «عادل» الذي كرس ثمانية عشر عاما من عمره حتى الآن للعمل مع الأطفال حين بدا مهموما وأخبرني إن نغمة الأطفال في الكلام تغيرت، وإن أحدا ما قد يكون تحدث مع بعض منهم، فتغيرت أفكارهم.

فالأطفال الذين يجرون حوله بزجاجات المولوتوف يسألونه «ماذا تساوي حياتي من دون قيمة؟ أنا أريد أن أموت شهيدا فيسامحني الله على جميع الأشياء السيئة التي عملتها في هذه الدنيا. أريد أن يكون لموتي معنى لأن حياتي لم يكن لها أي معنى. أريد أن أموت فيتحدث عني كل هؤلاء الناس الذين في (التحرير)، ويمشوا في جنازتي. أريد أن أموت ويكون هناك أحد ما يتذكرني، ويرسم وجهي على الحائط مثل كل الآخرين، لا.. إذن.. يا (بابا)، أنا لست خائفا من أن أموت».

لقد تغيرت علاقة أطفال الشارع بالثورة في بحر عامين. ولكن، سيظل هذا نوعا من المثالية أن نتجادل حول ما إذا كان الأطفال يذهبون إلى صفوف المواجهات الأمامية مع الأمن لأنهم يفهمون معنى التمرد كوسيلة لنهاية. إن الأطفال – لأنهم أطفال – ينبغي ألا يكونوا محل لوم على الوضع الفكري الذي يكونون عليه حينما يذهبون إلى صفوف المواجهات مع الأمن.

ماذا عن موت عمر ذي الثلاثة عشر عاما؟ عمر، تم قتل الولد الصغير برصاص اخترق القلب بواسطة الجيش الذي أنيط به حماية حدوده أمام الأعداء. هل كان هناك ليسرق الهواتف؟ لا. هل كان هناك لأنه أراد لوجهه الصغير أن يحفر في جرافيتي على الحوائط المحيطة بالميادين؟ لا. قتل عمر بالرصاص لأنه كان هناك. قتل عمر بالرصاص وهو يحاول الحصول على عيش شريف من الشوارع التي صارت مقرا لكثير من الطبقات، والأديان، والأعمار، والأيديولوجيات. قتل عمر بالرصاص لوجوده في طريقهم. قتل عمر بالرصاص – أكثر من أي سبب آخر- لأنه لن تلقى مسؤولية قتله على أحد. استقبل قلب عمر الصغير الرصاصة لأن البعض كانوا شديدي الجبن عن أن يحاسبوا هؤلاء المسؤولين عن ذلك. هذه المقالة لكل «عمر»  اعتقل وقتل بالرصاص، فقط لمجرد تواجده هناك؛ لأنه لم يكن هناك مكان آخر أكثر أمانا يذهب إليه

“Red Square”. Painting by the incredibly talented Mohamed Negm – mo*star art http://www.mostarart.com

“Red Square”. Painting by the incredibly talented Mohamed Negm – mo*star art http://www.mostarart.com

This post was originally translated from my original blog into arabic by Ekram Khalil for Shorouk News

قرأت فى الصحف وعلى مواقع الإنترنت، عن الاعتداءات الجماعية على المتظاهرات فى الشوارع، ولو لم أكن قرأت العناوين، لظننت أن الكتاب اهتموا فجأة بالحياة اليومية لأطفال الشوارع. وكان من المنطقى أن افترض أنهم أصبحوا مراقبين حريصين على المتابعة، نزلوا إلى الشوارع لتسليط الضوء على مدى انتشار وطبيعية ثقافة الشارع التى يحياها كل طفل صغير فى كل ليلة. ولكننى قرأت العنوان؛ الذى تشير مفرداته إلى أنه يتعلق بالفتيات، والشابات والسيدات الأكبر سنا من «ولاد الناس»، والطبقتين العاملة والمتوسطة (لأن أطفال الشوارع هم الطبقة المستبعدة). وقد تم تدبيج هذه المقالات لأن «المواطنين» تعرضوا للضرب، وتعرض شرف «المواطنين» للانتهاك، وانتهكت حقوق الإنسان الخاصة بالمواطنين. أما أطفال الشوارع؟ فهم ليسوا بمواطنين، بل إنهم حتى لا يحملون بطاقات هوية. وعندما يتعرضون للاغتصاب، والقتل بالرصاص، والموت، على أبواب الملجأ، فليست هناك جريمة، لأن الأمر لا يتعلق بمواطنين. وهكذا، لا يتعلق هذا الطوفان من المقالات بشأن التحرش، والاعتداءات الجنسية، وعصابات الاغتصاب فى الشوارع، بأولاد الشوارع.

•••

ولكن، لأن هذا هو الواقع اليومى لأولئك الأطفال، فقد عرفت بنفسى الشوارع على النحو الذى اكتشفه الآخرون مؤخرا. ومن ثم، أعتقد أننى أستطيع أن ألقى ضوءا مختلفا، أو نظرة من زاوية مختلفة، على ظاهرة تثير فزع الكثيرين للغاية، ويشعر كثيرون بغرابتها. وأرى أن هذا أحد الأوجه القبيحة للشارع. وكما أن لكل إنسان ولكل صديق، وجها قبيحا، لا تراه، أو تعرفه، أو تزدريه، إلا إذا أمضيت معه وقتا طويلا كافيا. فلا يمكن إخفاء حقيقته، وفجاجته إلى الأبد، كما أن نشوة الصورة المتخيلة، عن التضامن الذى يحققه الشارع خلال فترات الثورات، يبدأ فى التآكل، ويصبح الشارع وجميع سكانه غير المواطنين حقيقة، لا يمكنك أن تهرب منها، وهى الحقيقة التى شاركت بنفسك فيها والتى أثارت مخاوفك أيضا.

وبمناسبة الحديث عن الفزع، فقد بدا الكثير من الاهتمام والرعب، إثر الاعتداء بشفرة على أحد ضحايا هذه الاعتداءات. وقد تعجبت للمفارقة فى توقيت هذا الاعتداء. ففى الشهر الماضى، كنت قد اصطحبت احدى فتيات الشوارع اللاتى أتعامل معهن إلى جراح تجميل كريم، عرض على فتياتى، إجراء جراحة مجانا لمعالجة الندوب التى عانين منها، فى أثناء مثل هذه الاعتداءات فى الشوارع. ويعتبر الرعب جانبا من جانب ثقافة الاغتصاب فى الشوارع؛ حيث تسجل علامة على وجه كل طفل أو فتاة تعرض للاغتصاب. وتكون هذه العلامة عادة على شكل منحنى تحت عين الضحية، تعنى أنها لم تعد عذراء. وسوف يتم تسجيل الاعتداءات اللاحقة وهى كثيرة عبر ندوب أصغر، فى أى مكان آخر على الجسد. ولا ينسى أى منا فى الملجأ فتاة كانت محظوظة؛ حيث فلتت من الجرح فى الوجه، لكنها احتاجت لخياطة 16 غرزة أسفل ظهرها، حيث تم طعنها بالسكين عندما كانت تهرب من مغتصبيها.

وأنا لست خبيرة بنظرية المؤامرة، لكننى مستشارة فى مجال أولاد الشوارع، ومخاطر الشوارع. ومن ثم، عندما قرأت التفسيرات حول أن الحزب الوطنى الديمقراطى والإخوان المسلمين هم من دفعوا الغوغاء إلى هذه الاعتداءات الجنسية، كنت مترددة. فقد تذكرت أنه ما من أحد دفع أجرا للرجال الأربعة فى الثلاثينيات والأربعينيات من أعمارهم لاغتصاب مايا ذات السبع سنوات، والتى كانت تعيش فى الشارع منذ أيام قليلة فحسب. حيث يعتقد المعتدون أنه كلما كانت الطفلة صغيرة فى السن؛ قلت مخاطر الإصابة بالإيدز.

•••

ويجلب العيش فى الشوارع معه الكثير من المخاطر، وكلما عشت فى الشارع، كلما زادت احتمالات تعرضك للخطر. فهل يجعلنا ذلك نوافق على ما يحدث؟ بالطبع لا، ولكنه يلقى الضوء على محنة الأطفال الذين لا يلقون نفس الاهتمام، والرعب عندما تقع عليهم هذه الاتهامات، يوميا. كما يركز على أن الشوارع أصبحت تثير الرعب، لأننا سمحنا لها بألا تكون آمنة. ويوضح كيف يتم دائما تجاهل القانون وإنفاذه فهل يستحق هذا الرعب أن يعامل بقدر أقل من الغضب لمجرد أنه صار واقعا يوميا؟ لا، ولكن الغضب، والدعم الذى ينبغى أن يأتى بعده الإصلاح، يتعين أن يمتد إلى أولئك الذين لا يحظون بالاهتمام الرسمى فى هذه الاعتداءات لأن الاعتداءات فى الشوارع منذ بداية العام لم تكن 25 اعتداء فحسب. وقد شهدت للمرة الأولى الرعب من الاعتداء الجنسى فى التحرير، وكنت أشعر بالغضب مع كل قصة أسمعها. وقد حان الآن الوقت كى نستيقظ على حقيقة الشوارع، فبينما أصبحنا سباقين إلى الحفاظ على الشوارع آمنة من أجلنا «نحن»، نحتاج أن نوسع كل هذا ليمتد إلى الأطفال الذين ليسوا ضمن حساباتنا، من يحتاجون أن ينقل الكبار ألمه وتجربتهم، لأنهم يحظون باهتمام بالغ.

وسيقول لكم أولاد الشوارع، إن الاغتصاب الجماعى ليس سوى مجرد البداية بالنسبة لهم، ويأتى بعد ذلك مباشرة الدعارة وتهريب المخدرات والمواد الإباحية. وما تشهده الطبقة الثورية الآن، ليس سوى بداية ما يشهده آلاف الأطفال فى شوارعنا، بنين وبنات، هل تتخيلون ذلك؟

•••

ومازالت بوصلة اللوم مختلة، فكما يوجه الناس اصبع الاتهام إلى أطفال الشوارع، لأنهم فى الشوارع وليسوا فى البيت، متجاهلين كل الأسباب التى دفعتهم إليه، يوجهون الآن نفس الإصبع إلى الإناث اللاتى يتعرض للاعتداء فى التحرير وغيره من الأماكن، بدعوى أن خطأهن أنهن لم يقرن فى بيوتهن آمنات. القضية هى المساءلة؛ فبمجرد أن نتعلم معنى هذه الكلمة، ريما يكون الشوارع أثر أمانا بالنسبة لنا جميعا.

This is a girl trying her hardest to appear like a boy to stay safer on the street…this article was originally posted in Al Shorouk Newspaper here

girls

أهدي هذا التدوينة إلى الدكتور هاني حمام، شاكرة له أن اراني الجانب الأفضل من الحياة، وتقديرًا لمعاملته لإحدى “فتياتي” من بنات الشوارع، بأمانة ورقة

خلال الساعات الثلاث التى تستغرقها المسافة حتى وصولنا، تخبرنى تغريد عن المرات التى كانت تنظر فيها إلى المرآة، وتتذكر كيفية حدوث هذه الندبة. وبدلا من أن تنفق وقتا طويلا فى الحديث عن هذه الكيفية، تحكى لى بحماس كيف تعامل معها الطبيب بلطف. وكان الدكتور هانى كتب على تويتر يبلغنى انه يريد مساعدة الفتيات اللاتى يعانين من ندبات الاغتصاب، وعرض إجراء هذه العمليات مجانا. ولم أكن فى مصر فى ذلك الوقت؛ وعدت لأجد تغريدا أجرت الجراحة وهى ذاهبة اليوم لفك الغرز. وحكت لى عن نظافة العيادة، وأن الدكتور كان يعاملها كما لو كانت «السيدة تغريد» وعندما سألها عن اسمها، أجابت «اسمى الحقيقى أم اسم الشهرة»؟ وعندما سألها عن اسمها الحقيقى مازحته قائلة «أبو لهب» وضحكت.

•••

وقد لا يبدو الأمر لافتا لك عزيزى القارئ أن يعامل الطبيب تغريدا باللطف والاحترام. فإذا كان كذلك، دعنى أوضح: أثناء الرحلة، كانت تروى تجربة ولادة طفلها على سبيل المقارنة؛ وتحكى أنها بمجرد دخولها إلى العيادة وهى تتألم، سألوها عن زوجها، وعن الندبة التى على وجهها، ومن الذى سيضمنها. ونظرا لأنه لم يكن معها رجل، استخدمها الأطباء من أجل تعليم صغار الأطباء من دون موافقتها؛ وبمجرد أن فحصها الطبيب، امتدت 20 يدا داخلها. وكانت تروى لى هذه القصة وهى تهز رأسها مع ابتسامة خفيفة، وتقول إنها واثقة من أنه إذا كان الدكتور هانى شاهد كيف تعاملوا معها، لكانوا جميعا فى مشكلة! وحكت لى تغريد أثناء رحلتنا قصصا أخرى، وقالت لى إنها لا ترغب فى تناول الطعام حتى تعود لينا. وتحدثت عن المرة التى أخذت أم لينا ابنتها لمدة أسبوعين، ثم أعادتها إلى الملجأ عارية تعانى من الجديرى المائى، وفى رأسها قمل أكثر من كل القمل الذى شاهدته طوال حياتها. ولاشك أنه من المؤثر أن تستمع إلى تغريد وهى تتحدث بتلك الطريقة. ودهشت لأننى كنت مخطئة عندما شاهدتها للمرة الأولى؛ فقد حكمت عليها بأنها قاسية. ومن المؤلم أن ترى حنوها وهى تحتضن طفلها، وتتحدث بهذا القلق والإحساس بالعجز، عن طفل لأم أخرى. وكانت تقفز من موضوع لآخر: من قصص تعرضها للضرب على أيدى أهلها، إلى تقييدها وضربها فى مؤسسات الأحداث، إلى الحرية فى الشوارع، والأصدقاء الذين نامت معهم بجوار السكك الحديدية، إلى الإخصائيين الاجتماعيين الذين أخذوها إلى مطعم كنتاكى. أما القصتان اللتان تعود إليهما دائما، فعن أصدقائها الذين لا تستطيع العثور عليهم، وعن قلقها من اليوم الذى لاتستطيع فيه الإنفاق على تعليم ابنها!

•••

كانت تغريد تتوقف عن الحديث أثناء مرور السيارة عبر مدينة السادس من أكتوبر، لتشير إلى المبانى وتتساءل، كيف يتسنى أن يكون هناك العديد من المبانى الخالية، بينما ينام العديد من الناس فى الشوارع. وتقول إنها لم تكن تفكر فى أول رحلة لها إلى هنا، إلا فى العيش فى إحدى تلك الغرف مع ابنها. وكانت تفكر فى أنها تود لو تزرع التفاح، مثل التفاحات الست التى سرقتها ذات يوم من أجل أصدقائها، الذين لم يكونوا قد تناولوا الطعام لثلاثة أيام، وعندما حصلوا على بعض المال، عادوا ليدفعوا الثمن إلى بائع الفاكهة (الذى رفض تناول النقود، وأعطاهم ست تفاحات أخرى لقاء أمانتهم). وقبلت طفلها قائلة له إنه سوف يتعلم، ويكسب مائتى أو ثلاثمائة جنيه شهريا، ولن يجوع أبدا.

ونصل إلى مستشفى الجراحة، لتقودنا تغريد. ونصعد الطوابق الثلاث، وهى تحمل طفلها بيد وفى اليد الأخرى هدية للطبيب شمعة مما تنتجه الفتيات فى ورشتهن تم لفها بشكل خاص من أجل هذه المناسبة. وقوبلنا بحفاوة فى المستشفى كما لو كنا أصدقاء قدامى، وقدمت تغريد هديتها بفخر. وأحسست بدهشة فى حضور الرجل الذى التقيناه فى الداخل مع تواضعه الذى لا يمكن وصفه.

•••

ودخلت إلى حجرة العمليات، معتقدة أننى يمكن أن أقدم لها دعما. ولكن مرة أخرى، أدهشتنى بمرونتها وقوتها. فلم تجفل مرة واحدة، عندما كان يتم إزالة الغرز، على الرغم من الدم الذى كان ينز من الجرح، والدموع التى تجمعت فى ركنى عينيها. حاولت أن أمسك بيدها، لكنها سحبتها لأنها كانت تعد الغرز. كان التغيير مذهلا فى وجهها؛ فقطعة اللحم التى كانت تتدلى سابقا، تذكرها دائما بصدمتها، وضعفها، وقوتها، وتاريخها، لم تعد موجودة. وعلى الرغم من الصدمة النفسية التى تمثل ندوبا أعمق، لا ترى بالعين والمسئولية فى صورة ابنها، لم يعد التذكير اليومى بالنظر فى المرآه قائما. تركنا العيادة بعبء أخف، وتذكير أقل بحياة ملآى بالتحدى، والعنف والمعارك.

وبينما ندلف إلى السيارة، التفتت تغريد، وطلبت منى أن أحضر الكاميرا معى إلى الملجأ غدا، لأنها الآن لم تعد تخجل من التقاط صور لها مع ابنها.

Girl Trying to Sleep – فتاة تحاول النوم

Girl Trying to Sleep

One of our street girls, in her own words:

“This is a picture of a girl sleeping in the street. The girl is cold and no one feels for her and no one helps her. No one even thinks to give her something to cover her at all. The only reason people look at her is to try and find out if she is a girl or boy. No one in these buildings took notice of her. And when they saw her, they got very scared of her and didn’t notice the man that was around her, putting his hands on her. They didn’t notice that she couldn’t sleep because the man wouldn’t leave her alone.”

واحدة من فتيات الشوارع، بكلماتها الخاصة:

“ده صورة بنت نايمه فى الشارع ساقعانه محدش حاسس بيها ولا بيساعدها ولا حتى بيفكروا يدويها حاجه تستغطى بيها خالص محدش فالح يبص عليها غير عشلت يشوف هى ولد ولا بنت محدش فى العمارات ده بيفكر فيها ولا حتى خد باله منها وبص عليها ولما لاقوها خافوا منها اوى ومخدوش بالهم ان فى راجل عاملى يحوم حولها ويحط ايديه عليها وان هى كل ما تيجى تنام مش عارفه عشان الراجل مش سايبها فى حالها”.

(Thank you to the psychologist Shayma2 for sharing the story.)

كونك فتاة يدفعك للشارع أحيانًا

This little girl ran away to the street after refusing to give sexual favours.

This little girl ran away to the street after refusing to give sexual favours.

This post was translated by Al Shorouk and was published by them on 19 Jan 2013 and can also be read here

يشير العديد من التخمينات والإحصاءات والكثير من الأبحاث الأكاديمية والتطوعية إلى أسباب مختلفة تدفع الأطفال للعيش فى الشوارع. وتراوحت الأسباب بين ما إذا كان فقر أسر الأطفال المدقع هو الذى يدفع بهم إلى الشارع، أم مثلما اكتشف بعض الباحثين أن العنف والأسرة المحطمة يفضى بهم إلى الانتقال إلى حياة أكثر عنفا وتحطما فى الشوارع.

ولعل ما لم يشر إليه كثيرون أو لم يلحظه، أن مجرد كونك فتاة يكفى لدفعك إلى الشارع. «اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24»، هذا قول شائع بين أبناء الطبقة العاملة فى مصر. وهى أيضا عبارة، نسمعها نحن العاملين فى مجال خدمة أطفال الشوارع عندما نحاول التوسط بين هؤلاء الفتيات الهاربات وأهاليهن. وغالبا ما تكون الفتاة التى تنام فى العراء، ولدت لأسرة كانت فيها والدتها ضحية عنف من رب الأسرة، وقد دخلت هذه الدائرة لمجرد لفت النظر إليهم.

•••

ويمثل كونك فتاة، تحديا فى كل مكان. ولكن، الأمر يزيد سوءا عندما تكون الفتاة مصرية، من الطبقة العاملة الفقيرة، نشأت فى عائلة تتسم بالعنف، وتعيش مع أحد الوالدين. وليس هذا تعميما شاملا، وإنما هو تصوير ديموجرافى لمعظم الأطفال الذين أتعامل معهم. حيث تنام الفتيات تحت الكبارى، وفى منعطفات الشوارع، أو بجوار السكك الحديدية، وهذه الأعين الواسعة، اللاتى تراها وتسبب لك غالبا اضطرابا، أو تخيفك، هى عيون لأطفال مذعورين، جياع، وحيدين. وربما يسهل علينا أن ننسى ذلك. لكنهن مسحوقات فى سن الطفولة.

وغالبا ما تهرب فتيات الشوارع من الأسر التى عرضتهن للسفاح أو الاعتداء الجنسى من الإخوة والآباء وأزواج الأمهات. ومن بين الفتيات العشر النزيلات حاليا فى الملجأ، تعرضت فتاة عمرها 14 عاما، للاعتداء الجنسى من قبل زوج أمها منذ أن كانت فى التاسعة من عمرها، وعندما اكتشفت والدتها ذلك، أخذتها إلى المستشفى لإجراء فحص العذرية بعدما نفى زوجها الاعتداء. فقام بدفع رشوة للعاملين فى المستشفى، لإصدار تقرير وهمى. وفى القاهرة، خضعت لاختبار عذرية آخر، فصدر تقرير بأنها لم تعد عذراء، وبموجب هذا التقرير تم إدخالها إلى ملجأ «الأمهات الصغيرات».

أما الطفلة لمياء ذات العام الواحد، فهى ابنة سميرة ذات الثلاث عشرة سنة، التى تعرضت للاغتصاب من قبل كل من والدتها ووالدها. وقد تركت سميرة طفلتها فى الملجأ خشية المسئولية، ولا يعرف أحد إلى أين ذهبت. وربما كان من أكثر الحالات المؤلمة التى تتعامل معها قرية الأمل منظمة غير حكومية حاليا، حالة هايدى، الفتاة فائقة الجمال ذات الأربعة عشر عاما؛ فقد قام عمها بتكبيلها فى نفس الوضع لمدة ثلاثة شهور، وكان يغتصبها يوميا. ولم يطلق سراحها إلا عندما وعدت بالانضمام إلى شبكته للدعارة، التى أجبر أمها وشقيقته على العمل بها. وما أن فك قيودها، حتى جرت وألقت بنفسها من النافذة. ونقل المارة الفتاة التى تكسرت عظامها إلى نقطة الشرطة، فحولتها إلى الملجأ.

•••

ولا يتوقف العنف الجنسى فى البيت ضد الفتيات. ويعتبر الاغتصاب والتعامل بعنف مع الفتيات جزءا من ثقافة الشارع. ويحمل معظم فتيات الملجأ ندبة مقوسة على أحد جانبى الوجه، أو تحت العين؛ وفقا لتقليد معين للاغتصاب فى شوارع القاهرة، لم يستطع أى من العاملين مع الأطفال فهمه تماما. فبمجرد أن تغتصب فتاة للمرة الأولى، يتم عمل جرح عميق منحن فى وجهها، بواسطة مطواة أو قطعة من زجاج عادة، لتسجيل إنها لم تعد عذراء، ويتم تسجيل وقائع الاغتصاب التالية بواسطة جروح أصغر مساحة على وجهها. ويحدث نفس الشىء عندما يتم اغتصاب صبى. ويسجل مدير الملجأ، وهو يدير الإسعافات الأولية فى مركز استقبال الرعاية اليومية المزدحم بالسيدة زينب، أن هذا النوع من العنف هو الأكثر شيوعا بين ما يتعاملون معه، حتى إنه يتم تسجيله أكثر من مرة يوميا. وقد أجريت لفتاة كانت تسعى للالتحاق بالملجأ خياطة 16 غرزة لجروح فى ظهرها، نتجت عن محاولتها الهرب من مهاجميها لإنقاذ وجهها.

•••

وفى جميع قصص الفتيات التى تعاملنا معها، كان مجرد كونها فتاة يجعلها إما عرضة للمعاملة بعنف فى المنزل، والتسرب من التعليم للمساعدة فى أعمال المنزل، أو أن تصبح مسئولة عن العناية بإخواتها، أو الاغتصاب فى الشوارع بسبب انعدام وسائل حماية نفسها، أو تحمل عبء ما يترتب على الاغتصاب، حيث تصبح مسئولة عن طفل، بينما هى نفسها مازالت طفلة، وتحمل عار كونها أما غير متزوجة.

وربما لا يكون هناك ما هو أكثر تعبيرا عن العنف الذى عانت منه فتيات الشوارع، أكثر من مشاهدتهن يقفزن من فراشهن إلى ركن الغرفة ليجثمن على أطفالهن عند فتح الباب من قبل أحد الإخصائيين الاجتماعيين. ويصعب التعامل مع هذا ومع ارتعاد الأطفال من أى حركة مفاجئة أو سريعة، حتى بالنسبة للإخصائيين الاجتماعيين الذين يعرفون قصص الفتيات ويشاهدون ذلك يتكرر فى كل مرة. وتهدف قرية الأمل إلى مساعدة هؤلاء الأطفال على النوم بعينين مغمضتين.

أحفاد الشوارع… يزحفون في ظلال الصدقة

لم أكن رأيت ريم من قبل. وكنت قد سمعت عنها عندما حدثتنى شيماء عن أسماء غريبة لبعض الأطفال، وكيف يطلق عليهم الملجأ أسماء أخرى. وكان اسم الطفلة ريم ذات السنوات الخمس، «أم حامد» فى شهادة ميلادها. وراقبتنى ريم بعيون تشع ذكاء. وقد تدربت، لأنها عاشت فى الشارع طوال سنواتها الخمس، على ملاحظة الغرباء وتحديد ــ خلال دقائق قليلة ــ ما إذا كانوا يمثلون خطرا أو لا يضمرون أذى. وهى موهبة يتمتع بها معظم أطفال الشوارع الذين قد تقابلهم.

وقد شاهدتنى وأنا ألعب مع الأخريات، وتابعت بعضهن يأتى ليعانقنى وأعانقه. ورأيتها بطرف عينى، وهى تستمع باهتمام إلى تعليقاتى، وهن يحكين لى ما حدث فى الملجأ خلال الصباح، وعن آخر رسوماتهن، وكيف تعرضت سالى للعقاب لأنها أهانت إحدى «أخواتها»، وعندما تأكدت أننى لا أمثل تهديدا، سارت نحوى مترددة. حملتها وأثنيت على ملابسها وسألتها عن اسمها. فقالت »أنا ريم». قلت «آه.. ريم، سمعت كثيرا عنك، أخبرتنى ماما شيماء وماما ناهد كيف افتقدتاك، وظلتا تتحدثان عن جمالك وأدبك». وكان رد فعلها مؤثرا. فألقت بذراعيها الصغيرتين حول عنقى وقفزت لتجلس على ركبتى. ولاحظت لأول وهلة أن لديها قمل فى شعرها، وكنت خجلة من نفسى لأننى ابتعدت قليلا حتى لاتزحف الحشرات إلى شعرى. وفى مثل هذه اللحظات أود أن أذكرك، أيها القارئ، بالإعجاز والتفانى الذى يتسم به هؤلاء الذين كرسوا حياتهم لأطفال الشوارع، واختاروا العمل معهم بشكل يومى، وينتقل إليهم فى كثير من الأحيان القمل، والطفح الجلدى، والالتهابات والعدوى من الأطفال، ولا يخجلون من معانقتهم، ورعايتهم، وتقبلهم. و لهؤلاء الناس ارفع القبعة بكل إحترام لأنهم يعرضون حياتهم للخطر بشكل يومي و هم يدافعون عن أطفال الشوارع الذين هم في الأصل مصدر دخل من الشحادة و الدعارة لبلطجية و زعماء دوائر شحادة او دعارة في الشوارع.

ويدور هذا الموضوع عن أبناء أولئك الأطفال فى الشوارع جيل جديد أكثر تهميشا من الأطفال الذين أنجبوهم. ولأنهم لا يندرجون تحت التصنيفات التقليدية لـ«الأيتام»، فهم إما يباعون، أو يقتلون، أو يستخدمون للتسول، أو إذا كانوا محظوظين للغاية يتركون فى الملجأ، الذى يتعلم، من خلال التجربة والخطأ، التكيف مع حاجات أطفال الشوارع بسبب عدم وجود مثال يمكن اتباعه.

في أغلب الأحيان يضطر الإِنسان أن يكتم صوت صريخ ضميره عندما يسمع هذه القصص بأنه يشير بأصبع الإِتهام على أطفال الشوارع و يتهمهم بالإِهمال كأنهم كانوا أصحاب القرار أن يحملوا و هم في هذا الوضع من المعيشة و يقولوا “كيف لهم أن يفعلوا هذا؟ الا يروا مدَى سوء وضعهم الحالي الذي سيولد فيه الطفل؟”  لكن ردّي على من يخطر بباله ذلك السؤال و على من لا يصل إلى أن يفكر في هذه الأشياء من الأساس أن اسألهم “و كيف لهم أن يروا؟ هؤلاء أطفال يعيشون في الملاجئ بعدما إغتصبهم والديهم أو بعدما تحرش بهم و إغتصبهم أزواج أمهاتهم أو إخواتهم أو من يعملون عنده.  أطفال تعاني من مشاكل نفسية و ذهنية، أطفال إغتصبهم من كان الأصح منه أن يرعاهم. هذه الأمثلة التي في الأرجح سببت لك الإِستياء موجودة لكن الإِغتصاب من قبل الأهالي أو في المؤسسات أو من الشرطة لا يعبر في حديثنا اليومي كأنه سر أكبر من كل الأسرار، لكن صدقني، عزيزي القارئ، أن الفتاة التي تحمل في الحالات المذكورة مسبقاً وضعها و حظها أفضل من غيرها فالإِغتصاب الذي يحدث في الشوارع ضرره و خطورته و ألمه اكبر بكثير.

وهناك ثقافة معينة للاغتصاب فى شوارع القاهرة، لم أكتشفها إلا عندما بدأت بحثى عن العنف الذى تعرضت له هؤلاء الفتيات. فبمجرد أن تغتصب فتاة الشارع للمرة الأولى، وإذا اتضح أنها عذراء، يجرح وجهها من تحت العين أو فوق مؤخرتها. وقد تم عمل 16 غرزة لإحدى الفتيات التى كانت تبحث عن مأوى فى الملجأ، بعد تعرضها لمثل هذا الاغتصاب. وهى إشارة إلى أن الرجال الذين اغتصبوها للمرة الأولى «علموا عليها» و«حطموها»! وينجم عن عمليات الاغتصاب التالية ندبة رأسية على جانب الوجه.  معاناة بنات الشوارع لا تنتهي عند تعرضهم للإغتصاب فالعلامات التي تنحت عليهم و الحمل ليسا إلا شيئين من أشياء أخرَى كثيرة بشعة سيواجهونها. إذا إستطاعت البنت ان تصل إلى ملجأ فمن الممكن أن تلقَى رعاية ما قبل الولادة في العيادة التابعة للملجأ لأنها لو لجأت للمستشفيات العادية فإِنها تتعرض للإِهانة و المعاملة القاسية من الموظفين الذين يسبوها و يعتدوا عليها اكثر.

ومن أكبر الإنجازات التى تفخر بها «قرية الأمل»، الدعوة الناجحة لتغيير قانون الطفل فى عام 2008 فيما يتعلق بالأطفال الذين يولدون لأمهات من آباء غير معروفين. فقبل عام 2008، كان الطفل المولود لفتاة الشارع، يبعد عنها، ويسجل تحت تسمية «مجهول الأبوين»، ويفصل عن الأم التى توصم بعد ذلك بالداعرة وتحبس فى مؤسسة إصلاحية بناء على هذا الاتهام، ولا يلتئم شمل الأم وطفلها مرة أخرى. وبعد حملة واسعة وبذل الكثير من الجهد، تم تغيير هذا القانون، وقرية الأمل الآن قادرة على مساعدة أمهات الشوارع الصغيرات على تسجيل أطفالهن باسم « مجهول الأب»، وتقديم المأوى للأم الطفلة وطفلها حتى تستطيع العيش بصورة مستقلة.

وبعد زيارتى الأولى إلى الملجأ قبل بضعة أشهر، سألت نفسى كيف يمكن لهؤلاء الفتيات الصغيرات ذوات البطون الكبيرة التعامل مع حالة الأمومة، هؤلاء الفتيات اللاتى هربن فى كثير من الأحيان إلى الشارع بعد اعتداء عنيف بدنى وجنسى، ارتكبه الأب أو زوج الأم. وهناك تاريخ لكل من هؤلاء الفتيات حيث تمثل كل منهن قصة رعب فى حد ذاتها، فكيف بعدما إغتصبها من قبل والديها ستتعامل “سميرة” التي تبلغ من العمر ١٢ عام  مع تلك هذه المسؤلية التي هربت بعد يومين من عملية قيصرية، وكيف سيكون التعامل بين “مايا” و بنتها “سمر” بعد ما تعرضت “مايا” لخلع ملابسها و ضربها و تركها على سطح المنزل مغطأة بالعسل من قبل والدها! كيف ستستطيع شوشو” التي تبلغ من العمر ١٤ عاماً أن تستيقظ كل يوم لتطعم طفلها الذي يبلغ من العمرشهرين عندما يجوع بعدما حرقوا عينيها في موقف من مواقف العنف الكثيرة التي واجهتهم من أهلها لكونها معاقة؟”

وبعد شهرين، جلست فى جلسة علاج جماعى، وشاهدت هدير (14 عاما) تلقم ثديها لوليدها الجديد فى حنان لم أره من قبل ولم أقرأ أو أسمع عن مثيله أبدا. ورحلت ذلك اليوم وأنا أشعر بالألم من ظلم هذا العالم الذى نعيش فيه وأدعو سامع الدعاء ألا يتخلى عن هؤلاء الصغيرات، وأن يمنح أطفالهن الفرصة التى لم تتح للأمهات. غير أن الواقع يختلف كثيرا عن ذلك الدعاء. فلا يقيم فى الملجأ و«يتخرج» منه سوى 20 فى المائة من أطفال الشوارع. وتعود الأخريات إلى الشارع خشية هذه المسئولية الكبيرة، التى اضطررن إلى تحملها.

وحتى الفتيات اللاتى تعلقن بأطفالهن، غالبا ما لا يستطعن البقاء. ومن أكثر الأمثلة التى تمزق القلب الطفلة منال ذات الثلاثة عشر عاما وتعانى من فصام عقلى، التى أنجبت الطفلة هند. وتعتبر منال أفضل طفلة أم على الرغم من أنها تترك ابنتها فى الملجأ. فقد تعرضت للاغتصاب من صبى فى منطقة ريفية بمصر، وأمضت شهور حملها فى الملجأ. وقد ظنت أنها إذا أخذت طفلتها معها، سوف تحرك العينان الصغيرتان اللامعتان مشاعر أبويها ليتوليا رعاية طفلتها الصغيرة. وبعد يومين، تم استدعاء الإخصائية النفسية إثر استغاثة من منال لإنقاذ هند من حبسها فى مزرعة الدجاج، فى محاولة من الوالدين لإخفاء ما اعتبروه العار الذى لحق بالعائلة. واستقلت شيماء الرائعة حافلة لمدة تسع ساعات، ثم حملت على صدرها الطفلة الصغيرة طوال تسع ساعات للعودة. وتحضر منال كل شهر لتمضى يومين مع هند. وهى تعمل بقية الأيام الأخرى لشراء الطعام والملابس لها. وانا أتحدى من يرى صراعها النفسى كى تغادر فى نهاية اليومين، أن يستطيع النوم فى تلك الليلة.

ويبدو أن حياة هؤلاء الأطفال لا تفتقر فقط إلى التمويل بعد الثورة ولكن إلى الاهتمام والوعى المجتمعيين. وهناك أمل فى نجاة أحفاد الشارع من الاغتصاب والجوع، والعنف إذا كنا، كمجتمع مسئول عن ظروفهم، نشعر بالغضب من عدم وجود قوانين تطبق لحماية هؤلاء الأطفال. وأنا أريد منك أيها القارئ، أن تغضب لعدم وجود قانون يسمح بأخذ الطفلة جودى ذات السنوات الأربع من أم الشارع التى أخرجتها من الملجأ لتتسول بها، بعد أن أحدثت فى رأسها قطعا من شأنه أن يكسبها نجاحا أكبر فى نيل تعاطف المارة. وعندما تمر أيها القارئ بجودى وآلاف من أمثالها فى الشارع، ولا تشعر بالغضب معنا، فعليك أن تدرك أننا جميعا السبب. فلتساند حملتنا لحماية هؤلاء الأطفال بحيث لا نواصل تحويلهم، مع جميع الأقليات الأخرى فى بلادنا، إلى السكان الأصليين فى مصر.

ولكن الآن، عودة إلى ريم ذات السنوات الأربع، فبعد أن تسلقت إلى حضنى واستسلمت لعناقها، واختلط شعرها الموبوء بالقمل بشعرى المغسول، وعندما تذكرت بارتياح أن لدى شامبو للقمل من لندن يحقق نتيجة خلال عشر دقائق، قلت للطلفة الصغيرة أننى كنت أنتظر لقائها، وقد سمعت أنها كانت بالخارج فى زيارة عائلية. فنظرت إلى بجدية بعينيها المستديرتين اللامعتين، وقالت: «أكره الزيارات العائلية، لقد اوقعت هبة الكوب، فربطنا والدى نحن الاثنتين معا، وضربني بالحزام هنا (و أشارت على ظهرها و العلامات الكثيرة التي تملأه) وتوقف عن ضربى عندما بللت نفسى. عندما أكبر سأصبح شرطية. وسوف أقتل أبى”.

thank you to Ahmed AboElhassan (from Tahrir Supplies) and Gameel Mattar (from Al Shorook News) for helping with the translation

أطفال الشوارع.. غشاء البكارة ووصمة العار

This post was originally published in Shorouk News http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=19092012&id=7c6f14dd-f517-47bd-87f3-d19da4aba994

جلست أهدهد الطفلة سمر وأهمس لها عن أسفى، وحملتها وهى فى وضع الوقوف، بحيث تضع رأسها على صدرى، بينما أحتضن جسدها بالكامل. وكانت الهدهدة والعناق تهدئة لى شخصيا. وعندما انسابت دموعى على وجهها، بدأت تبتسم للشعور العجيب الذى أحست به عندما لامست قطرات الدموع بشرتها. وعلى الرغم من حرقة الغضب والخوف والشفقة التى نبعت منها هذه الدموع، إلا أنه ما كان لها أن تسقط على وجنتيها، بعد قسوة الدم الذى كان يغطى جسدها بالكامل قبل لحظات قليلة.

كان ذلك إنجازا ضخما للطفلة سمر التى تتلقى علاجا طبيعيا، وصار من الصعب عليها الوقوف أو الإمساك بالأشياء، بسبب نقص الكالسيوم وهشاشة العظام. وابتسمت الطفلة التى لم تكن قد أكملت عامها الأول، وهى تنظر فى عينى مباشرة. فحطمت ابتسامتها قلبى، وظللت أهمس لها كم أنا آسفة، آسفة بصدق لأننى لم أستطع إنقاذها. وظللت أكرر هذا للطفلة التى تبتسم الآن، غير مدركة أن أمها وهى لا تزال طفلة أيضا كانت تجمع ملابسهما المستعملة البالية، وسوف تقضيان الليل فى الشارع؛ وأنها إن لم تستطع أن تضعها فى الملجأ، فسوف تستخدمها فى التسول.

●●●

عرفت اليوم أننى أشجع مما كنت أعتقد، وأكثر جبنا مما كنت اعتقد. ولا شك أن تفاصيل الحياة اليومية كما نعيشها، تحد من القدرة على اكتشاف الذات. ولن تكتشف نفسك حقا إلا عندما تغوص فى عمق ظلمات الطبيعة البشرية، وعندما تتعرض إلى المشاعر المجردة للقسوة الإنسانية والألم والخوف. وقد عملت لفترة مع أطفال الشوارع. وسوف تلاحظون أننى لم أكتب عن الأطفال، حتى على مدونتى، التى صارت شخصية للغاية، وصرت أنا حانقة جدا على الكتابة بسبب مدى ما قد يبدو فيها من حساسية غير مقصودة. أريد أن أحمى الأطفال الذين نشأت على حبهم، كما أحمى قصصهم من تحويلها إلى مجرد كلمات. فمهما كانت درجة مهارتك، ومهما امتلكت من تميز فى حرفة الكتابة، لا يمكنك أن تصور بإنصاف ظلم الحياة والبشر لهؤلاء الأطفال.

لكننى أود أن أكتب الآن؛ ليس لأننى اكتسبت المزيد من مهارات الكتابة بين عشية وضحاها، وليس لمجرد أن هناك اهتماما مجتمعيا ودرسا مستفادا من هذه الحادثة التى سأكتب عنها، ولكن لأننى لم أتمكن من التوقف عن البكاء، ولم أستطع النوم، ولأننى أنانية، كبقية البشر، فأنا بحاجة إلى الهرب. وليس من قبيل الكذب أو المبالغة أن أقول لك، أيها القارئ، أننى أغمس القلم فى قلبى، ودمى هو الحبر الذى يكتب هذا الموضوع.

●●●

لقد كان الجو فى الملجأ مختلفا اليوم. فكلما ذهبت إلى هناك، كلما بدت الأمور أكثر طبيعية، وتراجع تمثيل دور «الأسرة السعيدة». وكانت الجدران تنضح بإحساس «المؤسسة»، بقاء الأصلح.

انتحت بى شيماء الإخصائية النفسية للملجأ التى تعمل مع فتيات الشوارع لأكثر من ست سنوات جانبا؛ وطلبت منى عدم اعطاء شوشو سماعات الرأس التى طلبتها لأنها تستمع كل ليلة إلى «الإم بى ثرى» ولا تسمع صرخات طفلتها البالغة من العمر شهرين، ولا تتولى إطعامها. وأنا أدرك ما وراء ما يقال، وأتساءل كم فتاة لديها بعكس شوشو إمكانية الاستماع إلى الموسيقى متى، وكيفما أرادت، بمنتهى الارتياح والأمان، أو كم فتاة لا تتعرض للنظر شذرا من الأهل الذين يسيئون إليها لكونها طفلة معاقة تعانى من الشلل الرعاش، أو لا تضطر لبيع جسدها فى الشارع من أجل حفظ الرمق. وكان يمكن أن يكون هذا بذاته موضوع مدونة. إلا أن شيماء قالت لى انها تشعر بالقلق على سلامة ليلى. وكانت ليلى العذراء الوحيدة فى الملجأ.

●●●

عادة، ما يتم فصل الفتيات العذراوات عن أمهات الشوارع. حيث تحتجز العذراوات فى ملجأ البنات بمدينة العاشر من رمضان، بينما يعيش الأمهات الصغيرات وأطفالهن فى المقطم. وقبل أن أعمل مع الأطفال، شعرت بالرعب من هذا الفصل، وأدنت المنظمة غير الحكومية على ذلك، وانضممت إلى اجتماع لحقوق الإنسان، حيث أعربنا عن الاستهجان، وهززنا رءوسنا مشيرين بأصابع الاتهام إلى رؤساء المنظمة غير الحكومية الذين اتخذوا هذا القرار. واليوم، عدت إلى البيت وأنا مدركة لماذا كان لابد من اتخاذ هذا القرار، وأنه كان علينا أن نبدأ فى مكان آخر. كان يجب أن نبدأ مع المجتمع حتى يصبح من الممكن إبقاء الفتيات معا بصورة آمنة. أدركت اليوم إلى أى مدى كان مجتمعنا مريضا. فنحن مجتمع منافق، يهتم باليد التى يتعين أن نعلم أطفالنا أن يتناولوا الطعام بها، حتى لا يشاركهم الشيطان فى طعامهم، مجتمع يبرز بشاعة أن يمر أحدهم من الباب بالقدم اليسرى، بينما ننسى الأطفال الذين يتناولون الطعام باليد اليمنى من صناديق القمامة، ونغض الطرف عن الأطفال الذين يداس فوقهم بالقدمين. وباسم التدين، يدين الناس غشاء البكارة الذى تم فضه، بغض النظر عن ظروف ذلك، وتحمل الفتاة هذا العبء إلى قبرها.

قالت لى شيماء إنها تخشى أن تتعرض ليلى لهجوم هذه الليلة من قبل الفتيات اللاتى يتآمرن لفض غشاء بكارتها. ومن المقرر أن تتزوج ليلى خلال شهور قليلة. وفى مجتمع يحكم على صلاحية الفتاة لتكون زوجة وأم على أساس سلامة غشاء البكارة؛ من شأن ذلك أن يمثل كارثة لليلى، التى سيرفضها خطيبها، وسوف يحكم عليها بالعيش حياة تختلف عما كانت تريده. فغشاء البكارة غير السليم حتى لو تم فضه على يد فتيات أخريات، قررن أن يبحثن عن الإنصاف عبر تدمير شيء ثمين لدى فتاة لم تتعرض لما تعرضن له وصمة عار للفتاة فى مجتمع، يخدع نفسه عندما يظن أنه تقى وطيب ورحيم.

●●●

فى الجلسة الجماعية اليوم، كانت الأمور مختلفة. فلم نطلب من أى من الفتيات أن تعبر عما تحسه. وبدلا من ذلك، عندما جلسنا فى الدائرة التى نجلس فيها دائما، طلبنا من كل من الفتيات أن تشرح الاختلاف الذى حدث فى الملجأ خلال الأيام الأربعة الأخيرة. فقالت كل فتاة إن ليلى تسبب لها إزعاجا! وعندما سئلن كيف؟ ولماذا، لم تقدم أى منهن إجابة دقيقة،ولم تستطع أى منهن أن تضع إصبعها على الإجابة. فقالت سارة «ليلى مهووسة بالنظافة، لا تستطيع أن ترى شيئا غير نظيف وتغلق فمها، ولكن هل تعتقد أنها تستطيع أن تذكرنا بالتنظيف، لمجرد أنها عذراء وأفضل منا؟» وقالت رانيا، وهى حامل: «أستطيع أن أدفع خمسمائة جنيه وأعود إليكم غدا بكرا وأفضل من ليلى». وقالت مها: «ليلى تزعجنى، لا أعرف لماذا، إنها فقط تضايقنى، ولا أريدها أن تتحدث معى». ومها، التى وصلت مؤخرا للملجأ، أقامت فى العديد من مؤسسات الرعاية منذ كان عمرها خمس سنوات. وقد تبين فى النهاية، أنها صاحبة فكرة الهجوم على ليلى. وقد صدمنى ذلك، لأنها تبدو الأكثر هدوءا، ولطفا بين الكثيرات!

وتكرر نفس الحديث عن ليلى حتى وصلنا إلى مايا. وخلال الفترة التى أمضيتها فى الملجأ، لاحظت أن مايا، تتحدث بنبرتين للصوت؛ تستخدم إحداهما عندما تريد شيئا وتحاول أن تبدو أنثى، وتستخدم النبرة الأخرى عندما تكون فى حالة دفاعية، حيث تتصرف بلغة الجسد على نحو يشبه حيوانا جريحا. وكانت تستخدم هذا الصوت الآن. ولم تكن تلك دلالة طيبة. قالت: «أكره ليلى. إنها أحسن منى، أعلم أنها أحسن منى وأنا أكرهها.» وقالت لها شيماء أنها أعجبت بأمانتها ولكن علينا أن نتعامل مع ذلك ونكتشف من أين يأتى ذلك الشعور، وما الذى يجعلها تشعر أن ليلى أحسن منها. ولم تتلق إجابة، لذلك قالت: « تحدثتن جميعا حتى الآن، ولا أشعر أن هناك سببا سليما لتكونوا عصابة ضد ليلى».

●●●

عند هذا الحد، وقفت مايا مشيرة بإصبعها بين عينى شيماء قائلة لها «لست بحاجة إلى عصابة تساعدنى فى التعامل مع ليلى، وسوف أحطمها حتى تصبح مثلنا، فهى ليست أفضل منى، وسوف أريكم ما هى المؤسسات الحقيقية. وسأفعل ذلك وحدى، ولا أحتاج إلى مساعدة أحد، يمكنك وضعها فى زنزانة مغلقة، وسأحطمها». وعند ذلك، انطلقت خارج الدائرة، وجذبت الطفلة سمر بذراع واحدة ودفعتها نحو الحائط، بينما انطلقت لتمزق الستار الذى يفصل بين منطقة المعيشة المتواضعة وغرف النوم. وقفت شيماء وطلبت من جميع الفتيات الجلوس فى الجانب الآخر من الغرفة. والتزمن جميعا، من دون نطق كلمة واحدة. كنا جميعا حزانى ولكن لا يبدو القلق على أحد. وبقيت فى مكانى فى مواجهة تلك الستارة. وأنا عادة أتصرف جيدا فى حالات الطوارئ. وكانت مايا متعلقة بى، وقد اعتدت تشجيعها على ان تتصرف بشكل جيد، وجلست أتضرع أن تدعمنى هذه الصداقة فى مساعدتها. خرجت من حجرة النوم وبيديها شىء فكت لفافته وألقته على الأرض، فاستطعنا أن نرى ما كانت تغطيه قبل ثوان: مطواة. وعندما جذبت الطفلة سمر من الأرض، وقفت لآخذ الطفلة، لكن شيماء منعتنى، قائلة أن مايا قد تؤذى الطفلة إذا أوليناها اهتماما. وخبطت شيماء على باب المرحاض قائلة لها إنها تستطيع أن تؤذى نفسها ولكن لا تؤذى الطفلة. وعندما انطلقت مايا خارجة من الحمام، حاولنا جميعا انتزاع المطواة من يدها، وظللت أقول «لأجل خاطرى يا مايا، لأجل خاطرى، نحن جميعا نحبك». كان واضحا، من الطريقة التى تدلى بها جفناها إنها لا تسمعنا.

وتم استدعاء مدير الملجأ. وعادت مايا إلى حجرتها وهى تلوح بالمطواة فى الهواء، وكان الدم يقطر منها أثناء سيرها من الحمام إلى حجرة النوم، ومالت على الجدار لتغطيه بالدماء. وبمجرد دخول مدير الملجأ، خلعت ملابسها حتى يغادر المكان! فخرج انتظارا لأن تغطى جسمها بشيء. قلت له اننا نريد إخراج الطفلة من هناك. فدخلت شيماء، ودخلت وراءها، وما أن رأتنا حتى أخذت الطفلة وأطاحت بها فى الحجرة، فسقطت على الأرض، والدم يغطى وجهها وجسدها. فجذبت أنا الطفلة، وما إن التقطتها حتى توجهت مايا نحوى، فجثوت فوق سمر عند الركن. وصرخت شيماء تنادى سامى للدخول، وكانت مايا قد جرحت لتوها ذراع شيماء بالمطواة. وأعتقد أنه أنقذنا عندما اقتحم المكان وصفع مايا. وأخذت الطفلة وأسرعت خارجة، زحفا على الأرض تقريبا. ولكن، ما إن عبرت تلك الستائر عائدة إلى حجرة المعيشة، حتى تجمدت!. فقد انتزعت منها سمر، والدم يقطر منها، وعجزت عن الحركة.

●●●

وجاءت إلى طفلة أصغر وقالت لى: «علينا أن نعالجها، تعالى إلى الحمام». تبعت تلك الإنسانة الصغيرة، التى بدت أكثر شجاعة، وأكثر خبرة منى، فأمسكت ببراعة الطفلة فوق البلاعة وقامت بتنظيفها، ثم أخبرتنى عن مكان المطهر، وذهبت لأحضره، ثم غطينا الطفلة به. وقمنا بإلباسها ملابسها، ثم جلست معها فى مقعدى، حيث تستطيع مايا أن ترى طفلتها، بينما تغدو وتجىء. وأستطيع أن أقول إنها كانت حزينة من أجل سمر. وكانت تريد أن تتأكد من أنها بخير. وكنت سأطمئنها. وكانت سارة تجلس إلى جانبى. فقالت: «يذكرنى هذا بأيام المؤسسة. ولكن هذه أفضل كثيرا، ففى المؤسسة، كانت اربع بنات يقطعن أنفسهن كل ليلة. فلا يمكنهن أن تحصلن على مساعدة كما تفعلون هنا، ولا يوجد سوى الفتيات بعد الرابعة مساء، لا يوجد إشراف بعد ذلك الوقت، لذلك تنتظر الفتيات إلى أن نصبح جميعا وحدنا. عليكن ألا تحاولن تعلم ذلك. إنهن لا يشعرن بالألم إطلاقا، فهو مثل المرض المزمن. ما هو تاريخ اليوم؟ العاشر من سبتمبر؟ إنه يوم أسود، فقد ولدت أمى فى نفس اليوم.»

وطلبت شيماء من سارة المساعدة. فقامت سارة من دون أن تنبس ببنت شفة، وخلال ثوان كانت قد أمسكت بمايا فى مواجهة الحائط. إنها ماهرة، سريعة للغاية، فعالة للغاية. كان واضحا أن هؤلاء الطفلات صارعن من أجل البقاء. احتجزن مايا فى مواجهة الحائط، بينما يفرغن جيوبها للتأكد من أنها لا تخفى شيئا آخر، تستطيع أن تؤذى نفسها به. وعندما صارت عارية إلا من حمالة الصدر والبنطلون، كانت الندوب واضحة حول بطنها. وبينما هى تستحلفهن قائلة لهن ألا يضيعن وقتهن معها، وأن يذهبن إلى العذراء التى يحببنها جميعها، ظلت شيماء تربت على رأسها، وتقول لها إنها تحبها، وإنها تهتم بها، وإنها لن تتركها، حتى تنظف جروحها وتضمدها.

وبقيت مايا حتى ساعدنها، لكنها شعرت أن عليها أن تواصل الطريق الذى بدأته، وجمعت أغراضها لتغادر. فلا يوجد قانون فى مصر يمكن أن يساعدنا فى منع مايا من أخذ طفلتها ومغادرة الملجأ. وتعنى قوانين حماية الطفل فى مصر إن تسمع شيماء جارتها تكهرب ابنها كل ليلة، ولا تجد شيئا تفعله لمساعدته! وجاءت مايا إليَّ وهى ترتعش قائلة إنها تأسف لأننى شهدت ذلك، وقالت «لقد جئت إلى هنا لتكتشفى من نحن، لن تكتشفى شيئا فى محادثاتك ولقاءاتك الغبية تلك، هذا نحن، هذه حياتنا، هذه هى القصة الحقيقية» وعانقتنى. وعلى الرغم من قدرتى على التعبير بوضوح، كما يعتقد الكثيرون، لم أستطع التلفظ بشىء، سوى «من فضلك، لا تؤذى سمر»

●●●

جلسنا فى صالة الاستقبال بالطابق الأسفل نشهد مغادرة مايا. كانت قد عاشت فى ملجأ سنوات عديدة. وكانوا جميعا موقنين أنها ستعود، لقد فعلت ذلك من قبل! وكان الجميع منهكين. جلست فى خوف على شيماء، وذراعها الآن فى الضمادة.، وجلس سامى الذى كان قد عانق مايا بعدما ضربها، يبرر لماذا اضطر لصفعها على وجهها، خشية أن يدفعنى عدم تسامحى مع معاملة الفتيات بعنف إلى إدانته. بينما جلس ماهر، المدير، الذى كنا قد استدعيناه، يدخن، وهو يعد للجلسة التى سيعقدها مع الفتيات للتأكد من أن ليلى ستكون فى أمان هذه الليلة. لم نكن قد استوعبنا شيئا مما حدث. قلت: « أين جودى، وميرنا، ومنة؟ كنت هنا عندما جاءت والدتهن لتأخذهن قبل ثلاثة أسابيع من أجل زيارة عائلية فى العيد، لماذا لم يعدن؟».. كان قلقى الكبير على جودى ذات الأعوام الأربعة التى تعانى من فيروس سى فى الكبد، وظهر ورم مؤخرا فى رأسها. أجابت شيماء: «زيارة عائلية؟ هممم. عندما يتوقفن عن كسب المال من التسول، سوف تضجر وتعيدهن ثانية».